the short story project

search

لونيس بن علي | من:العربيّة

كيف تُلقي روائيًّا داخلَ ثقبٍ أسود فصل من رواية عُزلة الأشياء الضائعة

Introduction by جان دوست

في هذا الفصل القصير من رواية عزلة الأشياء الضائعة القصة المريبة لمقتل موراكامي يواصل الكاتب الجزائري لونيس بن علي سرد حكاية تذهل القارئ وتربكه. يصدر الكاتب روايته بعتبة صغيرة لفرجينيا وولف ليعلمنا أننا سنقرأ أكاذيب مشوبة بالحقيقة. وهكذا ينوس القارئ في أرجوحة الحيرة، يلقي به الكاتب في قاع أكذوبة ضخمة ويريد منه أن يصدق كل ما يقرأه. "أنا لا أنسج الخيالات، أنا أقول الحقيقة. حقيقة ما عشته في تلك الغابة. حقيقة الجريمة التي ارتكبتها في حقّ ذلك الروائي اللّعين". هذا ما يكتبه السارد منذ الفصل الأول، فصل الاعترافات التي تنفتح على باقي فصول الرواية. يريد أن يقطع الطريق على شكوك القارئ، ليعود ويثير نفس الشكوك في هذا الفصل. هنا يعود المؤلف ليلعب لعبة القط والفأر من جديد مع قارئه. إنه يشكك بكل ما سرده من فصول سابقة. يتهم نفسه بالجنون الذي أودى به إلى حالة الهذيان هذه والتي نتجت عنها حكايات خيالية لا بد أن نصدقها. لأنها وقائع رآها السارد سواء في خياله: البئر العميقة المحفورة داخله والتي تعج بالحكايات، أو في الحقيقة التي هي الأصل أكذوبة علينا أن نصدقها. لكي يخرج القارئ من متاهة عزلة الأشياء الضائعة عليه أن يقرأ بصبر، يعود إلى الوراء أحياناً، يمشي ببطء في حقل الألغام التي بثَها الراوي وهو يهذي. ربما يقود هذا الفصل إلى فتح باب الفضول لمعرفة ما حدث وما سيحدث لاحقاً ويتأكد من أننا مقابر حية نخفي ضحايانا في أعماقنا.

 
اقرأ المزيد

هل تعلم؟

اليوم ما عدتُ أصدّق نفسي. كل ما حدث لي يبدو لي الآن وكأنه سرد غرائبي لأحداث لا تقع إلا داخل رواية خيالية. تتساقط علي الصور والذكريات بغزارة غريبة، حتى أني ما عدتُ أفرّق بين ذاكرة وصورة خيالية.. كل ما أعرفه أني وجدتُ نفسي أحكي، وأحكي..

منذ وفاة والدي، انفتحت أمامي أبواب عالم آخر.. لقائي بموراكامي، حكاية صديقي ميمون، لقائي بملاك الموت فتاة الغابة كل هذا يشبه الجنون. إنه الجنون.

 أعلم أنك قد دوّنتَ في سجلك هذه الملاحظة، ووضعت تحت لفظة مجنون سطرا أو سطرين أو ثلاثا. أنت تقوم بعملك سيدي، لن ألومك. من سألوم؟ لا أحد، أعتقد أنّ ما حدث لي يفوق عتبة اللوم، لا يهمنّي الآن إن كنت تصدقني أم لا، لأنّ ما حدث لي صار جزءا مني. هل توافقني رأيي؟

في كوخ الغابة، كنتُ مع موراكامي. كما أخبرتك. في تلك الغابة، انتقمت منه.. قتلته. قذفته داخل حفرة عميقة. كانت هناك منذ الأزل، تنتظرني. هل وجدتم جثته؟ ابحثوا عنها جيدا، لا يجب أن تيأسوا فهي مدفونة في عمق حفرة سحيقة…

 كان عليه ألا يكتب تلك الرواية، فهي أطلقت لعنة خطيرة أودت بحياة أبي، وقبله بحياة والدة صاحب الرسالة المجهولة. أؤكد لك سيدي أنها رواية لعينة. كان عليه أن يدفع الثمن. الروايات الخطيرة لا يمكن أن تُترك دون معاقبة كتّابها.

هو من طلب مني أن نسير في الغابة. هل تراه كان يعرف بنواياي الحقيقية؟ لقد طلبت منه أن نلتقي، حين كتبت له تلك الرسالة. أظنّ أنّه قرر فعلا أن نلتقي، وبحسه الروائي فهم أنّي جئت لأجل تنفيذ وعد قطعته على نفسي. نعم، هذا هو التفسير المنطقي. في الطريق حدثني كثيرا لقد حدثني كثيرا عن نظرته للموت، هو كما قال لي لا يخاف أن يموت، لأنّ الموت مجرد بوابة فقط نلج منها لندخل إلى عالم آخر، بأبعاد مختلفة. نظر إلي، وابتسم: أنت تؤمن بوجود هذا المعبر إلى العالم الآخر، ووجدوك في هذه الغابة لم يكن مجرد صدفة.

– هل قرأتَ ما كتبه دانتي في نشيده الأول ((لا أحسن أن أقول كيف دخلتها (ويقصد الغابة)، فقد كنتُ مثقلا بالنوم في اللحظة التي حدتُ فيها عن طريق الصواب)). دانتي العظيم سافر إلى الجحيم، وصوّر هذا الجحيم في صورة غابة غامضة مسكونة بالأرواح الهائمة، وهناك التقى بشاعر الرومان العظيم فرجيل.

فهمتُ أنّه كان يقصدني، فحتى أنا لا أعرف كيف وصلت إلى هذه الغابة، ورفيقي كان ميمون، روائي بينما كان فرجيل شاعر. كان ميمون مفتاح الغابة، يعيش ببلدة رجل الكلب التي عاد إليها بعد سنوات من العيش في المدينة عند خالته. تقع البلدة بمحاذاة الغابة، كان ميمون دليلي داخل دروبها الملتوية، والغامضة، مثلما كان فرجيل دليل دانتي في رحلته العجيبة. أن تسير داخل غابة هو أن تسير إلى المجهول.

 سأقول لك سيدي، يمكن لك أن تدون هذا إذا شئت، فأنا الآن قد دخلت منطقة من الوعي بأنّ العالم الحقيقي ليس إلا محاكاة لعالم خفيّ وغريب يتجاوز قدرة العقل على إدراكه. لقد تحوّلت إلى دانتي أليجري آخر، هو لينقذ ابنته من الجحيم بعد أن انتحرت، وأنا لأنتقم لوالدي من قاتله.

 لن أخفي عنك أنه كان يحذوني أمل غريب أني سأرى والدي. ميمون أخبرني أنه رآه في حلمه جالسا في الكوخ يقرأ الغابة النرويجية.

كنا نسير في دروب تلك الغابة العميقة جدا. قال لي موراكامي، أن تلك الغابة هي أعماقي. هل تصدّق؟ كنا نتجوّل داخلي! أرجوك سجّل هذا أيضا، لا أكترث إن صدقني العالم أم لا. وإذا صدق ما قاله هذا اللعين، فهذا يعني أنّي كنتُ داخلي.

 أنصتت له بهدوء يشوبه الحذر والتفكير في طريق العودة. الغريب أني طيلة مشينا لم أشعر بأي خوف أو تردد، بدا لي أنّ هدفي كان واضحا، وأنّي كنتُ أسير نحو خلاصي. النظر إلى موراكامي سيشعرك بألفة ما نحوه، وهذا أمر غريب، إلاّ أنّي قاومتها حتى لا تطفئ رغبتي في طعنه. هل قلت طعنه؟ لا أدري كيف قلتها الآن، لأني صراحة لم أطعنه، فقد ألقيت به في بئر كانت مخفية بين أحراش الغابة. أخبرني صديقي ميمون عن مكان تواجد البئر أو الحفرة، حتى موراكامي كان يعرف مكانها. لقد توقف عن السير، وقال لي أننا وصلنا. من الصعب أن ترى تلك الحفرة، فالمكان متجانس بشكل يثير الدوار. توقفنا عند المكان المحتمل. وفجأة ظهرت الفتاة صاحبة الفستان الأزرق. لقد عادت إلى الظهور. هل كانت تتبعنا؟ صعب أن أعرف. ظلت تبتسم لنا معا، وتلوّح بيدها الصغيرة لنا. وبعدها قال لي موراكامي بأنه حان وقت الرحيل، فكل شيء ينتهي بلحظة الرحيل. هل كان يعرف بنواياي؟ لحظتها فقط أدركت أننا كنا واقفين على حافة الحفرة. لم أشعر بيدي وهي تدفعه إلى حفرة الجحيم المظلمة.. لم تفارقه الابتسامة وهو يهوي إلى أعماقها المريبة. ظلت ابتسامته الغامضة ملازمة لي، إنه تذكاره الأخير.

 لا تسألني سيدي مرة أخرى أين توجد تلك الحفرة؟ إنها في مكان ما داخلي.. في داخل كل واحد منا يخفي مقبرة مليئة بجثث قتلاه.

 

4
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا