درور مشعاني | من:العبرية

ما يَنعكِس في البُحيرة

ترجمة : ريم غنايم

كان هذا هو آخر تحقيق أجراه المفتّش فسارو لكنّه وقتها لم يكن يعرف ذلك، عندما توقف لوهلة أمام الباب الموصَد، قبل أن يدخل إلى الغرفة بخطوة سريعة لإخفاء هياجِه. عندما فُتح الباب وامتدّت الغرفة أمامه، رأى فسارو من خلال النافذة الواسعة سطح البحيرة المتلألئ في ضوء الشمس الغاربة، والغابة المحيطة حيث زحف الظّلام بين أشجارها السّامقة. على شاطئ البحيرة سيّارة إسعاف وثلاث مركبات تابعة للشرطة وخيمة مؤقّتة للفحص الجنائيّ، والتي خرج منها فسارو قبل بضع دقائق، عندما لم يعُد في مقدوره تأمّل جثّة أخرى نُشلَت من المياه.

كُلّف شرطيّ شابّ بحراسة الغرفة وعندما سأله فسارو عن اسمه أجاب الشرطيّ بصوتٍ منفعل، “مارتين. أقصد، الرقيب مارتين برندل، سيّدي”. منذ متى وأنت هنا يا برندل؟” “عفوًا، سيّدي؟” “متى وصلتَ إلى هنا. إلى هذه الغرفة”. كان أطولَ من فسارو برأسَين، نحيفًا جدًا وشاحبًا، وارتعد صوته عندما أجاب عن الأسئلة التي طرحها قائد قسم التحقيق في الجرائم الخطيرة. “عند الثانية عشرة تقريبًا”، قال. الألم الذي تمدّد في رأسه كان مشوّشًا وحادًا. لا يُحتَمل. أراد أن يبقى لوحده في الغرفة. قال، “برندل، أريد منك أن تستوضح في عدّة غرف في الفندق إذا كان فيها نافذة أو شرفة تطل على البحيرة، وكم نزيلاً نزل فيها هذا الصباح. أطلب ​​قائمة بأسماء النزلاء وأرقام الهاتف. بعدها، يمكنك العودة إلى المحطة”. كان ذلك من بين الأشياء الأولى التي أدركها في ساعات الظهيرة، عندما استُدعي إلى الموقع- لعلّ أحد نزلاء الفندق قد رأى ما حدث على شاطئ البحيرة. “بالطبع يا سيدي”، قال برندل. “يمكنني أيضًا جمع إفادة من النزلاء”. لم يكن يريد أن يتحدث برندل مع أحد. أراد التحدث إلى النزلاء بنفسه. وعلى الرغم من أنه لم ينم الليلتين السابقتين، إلا أنّ فسارو أجرى التحقيق بنفس الدقة التي أجرى فيها تحقيقات أخرى لا تُعدّ ولا تُحصى في سنواته الثلاثين في الشرطة، وكثير منها كان تحقيقات في جرائم قتل. ببرود وبمنهجية. عدا عن تحديد الشهود المحتملين، كان لا بد من إجراء تفتيش في الغرفة. أو أنّ أحدهم أعطى أمرًا لبرندل أو لأحمق غيره بالنبش في الأدراج قبل أن يتمكّن هو من فعل ذلك بنفسه؟ سأل، “هل أجرى أحدهم تفتيشًا هنا؟” وقال برندل، “المفتّشة فايبل، سيّدي. هل تريد منّي أن أجري تفتيشًا إضافيًا؟” ما الذي كان يأمل في العثور عليه؟

أصغى إلى برندل وهو يبتعد عبر الردهة وعندما سمع الشرطيّ الضّامر يدلف المصعد، أوصد الباب وتمدّد على السرير. لو ظلّ على هذه الحال بضع دقائق أخرى لَنام. ريح باردة لعبت في الستائر البيضاء. نهض وأشعل كلّ أضواء الغرفة لأنّ الشّمس كانت تغرب وقد اكتست السّماء بالظلام والغمام والمطر. كانت أدراج الكومودينو بجانب السرير فارغة، وتحت الوسائد لم يعثر على شيء. رُتبت ملابس الزّوجان في خزانة الحائط في رفوف منفصلة- في الجانب الأيمن الملابس القليلة للزّوج وفي الجانب الأيسر ملابسها وبيدٍ واحدة أخرج فسارو القمصان والفساتين والتنانير الطويلة والبيضاء ورتّبها فوق السرير. بسبب يده المفقودة، بالكاد أعادها إلى مكانها  ثمّ أخذ يفتّش حقيبتها ووجد فيها ثلاثة كتب، اثنين بالإنجليزية وواحد بالفرنسيّة، كيسًا صغيرًا فيها بعض رزم الأدوية وحزامًا جلديًا أحمر. أين تُخفي النّساء ما لا يردن لأحد أن يعثر عليه؟ على الرغم من سمعته، لم تكن إجابة لدى فسارو على هذا السؤال. ولم تحتو الحقيبة على أي بطانة مخفية. لم يكن هناك أمرٌ استثنائيّ في الغرفة باستثناء الصورة المعلقة فوق السرير الزوجيّ: بدلا من صورة المنظر الطبيعي المعلّقة في غرف الفنادق عُلّقت صورة مكبّرة ضخمة لراحة يد بشريّة، مفتوحة. وقف فسارو لحظة أخرى في وسط الغرفة ونظرَ حوله، كما لو كان يحاول استيعاب  رسالة خفيّة، ثم عادَ ثانيةً لينظر إلى البحيرة التي تحرّكت تحتَ النافذة مثل حوت هائل مصنوع من البرق والظلام.

***

لم يُخطّط المشاركة في استجواب الزوج، ولكن بعد محادثة قصيرة مع المفتّشة فايبل عند عتبة الغرفة التي خُصصت للمحققين في قسم الإدارة، أدركَ أنّه لن يكون له خيار. “مفضّل نقله إلى المحطّة”، اقترحت فايبل. “لديه رواية يجب التحقّق منها”. “رواية؟” قطع الصداع أفكاره. “يقول إنّ للقتيلة عشيقًا. ويعتقد أن العشيق هو من قتلها”. هل تورّدَت وجنَتا فايبل لأنّها اضطرّت إلى ترديد كلمة “عشيق” مرّتين؟ تركَت الباب مفتوحًا، لكن المكان الذي وقف فيه فسارو لم يمكّن رؤية الزّوج. “هل هذا ما يعتقد؟” قال فسارو. “إنّه يعرف أيضًا الفاعل وأين يمكننا إلقاء القبض عليه؟” أحسّ فجأةً بمدى صعوبة الوقوف على قدميه. ليلتَين بلا نوم وتقريبًا بلا طعام كانت كثيرة على سنّه. ماذا كان سيفعل بدون فايبل؟ كانت إيفا فايبل المحققة الوحيدة في القسم التي اعتمد عليها بشكل أعمى. قبل عامين، بادر إلى نقلها إلى هناك، ومنذ ذلك الحين وهو يُشركها في معظم التحقيقات الحساسة، رغم صغر سنّها. من جانبها، كانَت تجلّه ولم تُجرِ أيّ تحقيق بدون إذنه. كانت عزباء ولم تُبد أيّ اهتمام بالرجال. غالبًا ما كانت تبقى في المحطة ليال كاملة، إذا استدعى الأمر ذلك. سأل فسارو إذا كانت لديها مسكنات، وأجابَت نافيةً، لكنها قالَت إنّها ستجلب له من مكتب الاستقبال. طلب أيضًا كوبًا من مشروب الشوكولاتة بالحليب السّاخن ودخل بمفرده إلى الغرفة حيث كان الزوج ينتظر.

لماذا لم يأمر باعتقاله على الفور؟ كانت فايبل تفعل ذلك دون أن تطرح الأسئلة. السبب الرئيسيّ هو أنه أراد سماع روايته. ولعلّه أراد أيضًا أن يتفرّس فيه وهو يتحدث عنها. أن يصغي إلى الازدراء في صوته ليثبت أنّه كان على حق. جلس فسارو قبالة الزوج، حيث جلست المفتّشة فايبل من قبل. في الاستمارة التي ملأتها بخطّ يدها الواضح سُجل أن مارك زافران يبلغ من العمر 44 عامًا، يصغر زوجته بعامَين. بدا زافران مضطربًا لكن ليس مرعوبًا. “من أنت، أين الشرطية التي كانت هنا؟” سأل، ولكن فسارو لم يُجب. كان يمتلك وكالةً لبيع الشقق الفاخرة ومنازل الاستجمام، وفي موقف سيارات الفندق كانت تنتظره سيارة ساب سوداء لم تبد عليها علامات مشبوهة، على الرغم من أن فايبل أمرت بإجراء تفتيش شامل لها. وكان يصغر فسارو بعشرين عامًا. عادت فايبل إلى الغرفة ووضع أمامه مسكنات الألم. “هل نواصل؟” سألت وهي تجلس بجانب فسارو. “بدأ السيد زافران يحدّثني مرة أخرى حول ما حدث في الصباح”. في الواقع ، سمعه فسارو وقتها للمرة الأولى، وكان متفاجئًا. كان للرجل الوسيم طويل القامة صوتٌ حادّ شبه أنثوي. قال إنّ ماريان استيقظت قبل الخامسة والنصف صباحًا بقليل.

استيقظ زافران من نومه للحظة. عند السادسة والنّصف أيقظته مرّة أخرى لتخبره أنّها ستنزل البحيرة لتتغطّس. “ألا يبدو ذلك غريبًا لك؟ ما زال الظلام قائمًا في الخارج”، سألت فايبل وأجابها بدَوره، “قالَت إنّها تخرج إلى البحيرة في هذه السّاعة كلّ صباح. لقد تغطّست بدون مايوه، كما وجدتموها، ولم تشعر بالراحة بقيامها بذلك خلال النهار، بينما الناس يشاهدونها. لم تعد صغيرة في السنّ”. أغمض فسارو عينيه في الوقت الذي قطع فيه الألم صدغه مرة أخرى. لماذا لم يتناول الحبوب التي كانت على الطاولة؟ عادَ زافران للنوم ولم ينظر من النافذة عندما نزلت ماريان منحدر التلة إلى شاطئ البحيرة، وخلعت برنس الحمام ، ودخلت المياه الباردة. كم من الوقت سبحت؟ ومتى خرجت من الماء؟ هل تربّص أحدهم بها في الغابة. هل شاهدها وهي تتعرّى من بين الأشجار وضباب الصباح والعتمة. وكان هو الوحيد الذي يرقبها. لم يشاهد أحد غيره شيئًا. كان برنسها، الذي عُثر عليه على شاطئ البحيرة، مبتلاً، الأمر الذي أشار إلى أنّ ماريان خرجت من البحيرة بعد أن تغطّست وارتدته ثمّ خلعته من جديد وعادت إلى الماء. كانت نافذة الغرفة مغلقة وقال مارك زافران إنّه لم يسمعها تصرخ مستنجدةً، هذا إذا صرخت. ضيوف آخرون أيضًا لم يسمعوها، كما يبدو. استيقظ فقط في التاسعة وبعد ذلك بقليل رأى من نافذة الغرفة برنس زوجته ملقىً على شاطئ البحيرة. لم يرها. ظنّ أنها تتمشّى في الغابة، ولكنّه عندما لم يرها بعد بضع دقائق نزل إلى البحيرة ونادى عليها باسمها ثمّ طلب من موظفة الاستقبال أن تطلب المساعدة. بدأت عمليات البحث في الغابة، ولكن مع الظهيرة تقريبًا، عثر غوّاصان على الجثّة وتم انتشال ماريان من الماء.

ابتلع فسارو الحبوب مع ماء الصّنبور في مراحيض بهو الفندق ثمّ بلّل وجهه بتيّار من الماء الفاتر. عندما دخل المرحاض، كانت عاملة نظافة شابّة، لعلّها كوريّة، تغسل الأرضيّة بخرقة لها نفحة عطرة، فابتسمت إليه كما لو كانا على معرفة سابقة. حاول فسارو أن يتذكّر إذا كان قد رآها من قبل، لكنّه افترض أنّها تميّز وجهه لأنّها رأت صوره في الصّحف، وقد ظنّ أنّه سوف يضطرّ رغم ذلك إلى التحدّث مع معظم الموظفين صباح اليوم التالي. عاد إلى الغرفة فقط لأنّ فايبل ألحّت عليه لسماع رواية زافران حول العشيق، لكنّه قبل أن يخرج من المرحاض قال لها، “هذا مضيعة للوقت، يا إيفا. لا أصدّق كلمة ممّا قال”. ماذا الذي جعل فايبل تصدّق كلام زافران؟ هل كانت كراهيّته لزوجته والتي لم يكلّف نفسه عناء إخفائها؟ قال زافران إنّهما قدما إلى الفندق للمرة الأولى قبل ثماني أو تسع سنوات، واقترح على فايبل أن تفحص التاريخ المحدّد، لأنّه بلا شكّ مدوّن في سجلّ النزلاء وفي محطّة الشّرطة كما يبدو. “لماذا في محطّة الشّرطة؟” “لأنّه تمّ اقتحام الغرفة في أوّل زيارة لنا، وسرقة بطاقات الائتمان في الوقت الذي كنّا نقضي فيه عند البحيرة. كما وسُرق مبلغ نقديّ كبير. قدّمنا شكوى وتمّ فتح تحقيق، لكن لم يتمّ العثور على المقتحمين، ولا على المال، على الرّغم من أنّه تمّ استجوابي أنا وماريان لفترة طويلة كما لو كنّا نحن اللصوص. كان ذلك من بين الأسباب التي لم أرغب في القدوم إلى نا مرة أخرى. ولم أفهم لماذا أصرّت ماريان على العودة. أظنّ أنّها في تلك الزيارة كانت قد التقت به للمرة الأولى”.”وكم مرّة عدتما إلى هنا منذ ذلك الوقت؟” “ماريان عادت وحدها. تقريبًا كلّ سنة. دائمًا في شهر أيلول أو تشرين الأول. وأحيانا كانت تعود أكثر من مرّة في السنة”. “بدونك؟” 

دائمًا بدوني. كانت تجد أسبابًا لعدم قضاء إجازة مشتركة في الصيف ثم تبلغني إنّها تحتاج إلى راحة في أيلول، في الوقت الذي لم أتمكن فيه من مغادرة الشركة وعندما كانت العام الدراسيّ عند ساندرا قد بدأ. إنه لأمرٌ مؤثر، أليس كذلك؟ تفانيها لهذا العشيق والأكاذيب البريئة. ألا تعتقدين ذلك؟”تحدث إلى فايبل ومن حين إلى آخر نظر صوب فسارو. لكنّها عندما سألت، “وطوال هذه السنين كنت تعرف في الواقع ما الذي كانت تفعله هنا؟” ابتسم مارك إليه بالتّحديد. أنّه بدلاً من أن تسهّل الحياة علينا جميعًا وتهجرني، قرّرت أن تهجره هو. اعترفَت أنها كانت على علاقة غرامية امتدّت سنواتٍ، ولكنها توسلت إليّ لكي أسامحها وأخبرتني أنها لن تقابله بعد اليوم. بالنسبة لي كانت تلك خيبة أمل كبيرة”. سمع فسارو تتمّة الكلام بشكل متقطّع. اشتدّت قبضته على الحبل وشعر بأنه على وشك تمزيق راحة يده. سألت فايبل” لماذا قررت الانفصال عنه إذا كانت تحبه؟”وضحك مارك. “أنت لم تعرفي ماريان. ربّما أحبّته، لكنها وجدت صعوبة في الانفصال عن حسابنا المصرفيّ المشترك”، قال وقد نهض فسارو من مكانه وسحب يده من جيبه. قال في هدوء، “هذه قصّة جميلة ولعلّني كنت سأصدّقك وأظنّ أن عشيقها قتلها لو لم أجد هذا الحبل في غرفة”. نظرت فايبل إليه دون أن تفهم. ولم ينبس مارك زفرن بكلمة. “وجدتُه تحت سريرك، وصل فسارو. “هذا الحبل الذي قُتلت به”.

***

عندما غادرا الفندق، بعد منتصف الليل، كان قد تمّ تمديد اعتقال مارك زافران. انزلقت سيارة السيتروين البيضاء على الطريق الرطب لوحدها تقريبًا. كما هو الحال دائمًا، قادت فايبل السيارة وجلس فسارو بجانبها. توقف المطر وفتح النافذة وأشعل سيجارة. لم تنته القصة بعد، بالطبع، لأن مارك زافران سيستأجر خدمات خيرة المحامين وأكثرهم تكلفة، لكن الحبل الذي خُنقت فيه ماريان ووجده في غرفته كان دليلاً على أنهم أيضاً، سيواجهون صعوبة في التعامل معه. وقصته عن عشيق ماريان لا دليل عليها ولن يكون. قفاز الرجل الأسود الذي ادعى مارك أنه اكتشفه في الغرفة وأن ماريان اعترفت له بأنه للعشيق، لم ولن يعثروا عليه.

صمت بضع دقائق أثناء سفرهم، وأغمض فسارو عينيه، عندها قالت فايبل فجأة، “لا أفهم كيف فاتني الحبل. لستُ متأكّدة أنني أجريتُ تفتيشًا أيضًا تحت السرير”. “كان لا يزال مغمض العينين عندما قال لها: “لا يهمّ يا فايبل. المهمّ أننا وجدناه”.

“لكن لماذا احتفظ به في رأيك؟ هذا يتناقض مع كلّ شيء علمتني إيّاه، أليس كذلك؟” فتح فسارو عينيه ونظر إليها. ما الذي تسأله عمليًا؟ بدت له عيناها رطبتين. “ما التناقض؟” سأل، وأجاب فايبل بسرعة، كما لو كانت تنتظر السؤال. “لأنه لم يحبّها. كان يمقتها. ومن يحتفظون بتذكار من مسرح الجريمة هم القتلة العاطفيّون، أولئك الذين يحبون ضحاياهم إلى النهاية ويريدون شيئًا من اللحظة الأخيرة التي كانوا فيها بين أيديهم. إذا كان زفرن قتلها، ألم يكن من المفترض أن يترك الحبل في البحيرة؟” سكت فسارو. فكّر بعد ذلك أنّه ربما كان ذلك بسبب شعورها بالوحدة لدرجة أن شيئًا ما في هذه القصة أثار فايبل. كانت في العادة سائقة مجنونة، ولكن في تلك الليلة قادَت السيارة على مهل، على ما يبدو، بسبب الشارع المبلّل والمطر المتجدّد، وقد طالت رحلتهم. “لكنّه قتلها يا فايبل. ولم يترك الحبل في البحيرة. ربما أخذه معه إلى الغرفة دون أن يلاحظ واعتزم التخلص منه في وقت لاحق. وربما وجب عليّ تحيين نظريّاتي. هذه أيضًا إمكانيّة”. “لكن هناك إمكانيّة أخرى”. كانت نظرتها مثبتة على المصابيح التي أنارت الشوارع. “أيّة إمكانيّة؟” “أن قصته حقيقية، وأن لديها عشيقًا هنا وأنه قتلها لأنها تركته، وبعد ذلك تمكن من دسّ الحبل في غرفة داخل الفندق”. أدرك فسارو فجأة أنّها لن تتّجه إلى منزله. أو إلى المحطة. ورويدًا اكتشف ما كانت تحاول قوله حقًا. “أنا شبه متأكّدة من أن هذا ما حدث، ماريان أخطأت بكلّ بساطة”، قالت.

لم يكن فسارو يرغب في الحديث أكثر عن الموضوع، ليس الآن، ليس معها، لكن إيفا فايبل واصلت وشعر هو بالألم الحادّ يقطع أفكاره مجدّدًا. “ما كان يجب أن تهجره، هل تفهم؟ لقد أخطأت بكلّ بساطة. كان عليها أن تهجر زوجها. هل يمكنك أن تتخيّل كم كان يحبّها؟ هذه المرأة التي كرهها زوجها كثيرًا. لقد انتظرها فقط لتأتي مرة واحدة في السّنة وتكون معه لمدّة أسبوعين أو ثلاثة. ولم تكن لديه امرأة أخرى غيرها. هكذا كان الحال طيلة تسع سنوات. لقد رضي بالعيش في عزلة شبة تامّة فقط ليقضي معها أسبوعين في السنة عند البحيرة. في نظره، لم تهرَم بشكل بشع. في نظره كانت أجمل نساء العالم عندما دخلت البحيرة اليوم صباحًا، هل تفهم؟ لذلك لم يقو على التخلّي عنها. عنه بالذات أرادت الانفصال. لكنه أحبها كثيراً لدرجة أنه لم يكن يتخيل أن تواصل حياتها بدونه…” لم يكن يرغب في سماعها أكثر، وبالتحديد لأنها كانت دقيقة للغاية”. “إلى أين تسافرين؟”سأل، لكن السيارة توقفت على جانب الطريق، في الظلام الحالك، وقالت فايبل، “اتّصلت أولاً بالمحطة لأستفسر عن المحقق الذي استجوب ماريان وقتها. عندما وصلا إلى هنا قبل عدّة سنوات للمرة الأولى”. لم يتفوّه فسارو بكلمة، وتنفّست فايبل وواصلت. كان الرجل الذي جلس بجانبها الشّخص الذي أحبّته أكثر من كلّ شيء. “المفتّش فسارو”، قالت، “أعتذر، ولكن عليّ أن أسألك سؤالاً صعبًا”.

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا