نفيت بارئيل | من:العبرية

مشاكل في الحِساب

ترجمة : ريم غنايم

لم يكن هناك يوم أكثر رعبًا من الأوّل من آب. نصف الإجازة قد انقضى. كيف انقضى؟ كَحال انقضاء أربعة أسابيع تَسبقُ طور البلوغ. موكبٌ من درّاجات أولاد الجيران، كلابٌ صغيرة تهرول خلفهم. الصّالة مظلمة لأنّ الشّرفة مغطّاة وقد امتلأت الأوعية الباردة والنّظيفة بالعنب الأخضر بيد خفيّة. كلّ صباح، وأمام منظر التلفاز الّذي يشرح الصّدر، يبثّ مسلسلاً استراليًا حول منقّبي الذّهب، ومسلسلاً أستراليا آخر عن النُزل في المسلسل التلفزيونيّ جدول الخمسة أميال. افتُتح المسلسلان بألحان حزينة مصحوبة بجيتار صوتيّ. انظروا إلى قضبان الذهب الصغيرة التي تتلألأ في النهر. انظروا إلى الحريّة التي حظيتُم بها. كل صباح كان ينتابنا شعور الطلاب الطبيعيّ، والآن نحن أحرار. كلّ مساء عند الشرفة المفتوحة. حشرات من النوع الذي أطلقوا عليه لقب الخميني، غطّت أضواء النيون. لم يفكّر أحد في إيران، لم يخش أحد من إيران. كانت بنيّة اللون وقد صُبّت كلمة آية الله في الأذنين مثل خليط ساخن من الشوكولاتة. سافرت أعزّ صديقات دويت إلى الولايات المتّحدة، وكانت دوريت عضوًا في بركة “بيت داوود”، ونصف الإجازة قد انقضى. شجيرة ياسمين صغيرة فاح عبقها في أرجاء الحديقة، والشّجرة المتوهّجة الضّخمة قد انتهت من طَرح زهورها الغريبة مخلّفةً رائحة رطبة لباقة قد ذوَت. في صباح ذلك اليوم، تأمّلت فتاة طيّعة جدوَلها المُحبط حتى الأول من أيلول وتنهّدت.

هناك بؤرتان جيدتان للمراقبة من حول منزل ديبورا، الأولى عند مدخل ملجأ الحي، فوق الدرج الإسمنتيّ. الثانية، وراء محل البقالة، المنطقة الحدوديّة للبيئة القريبة، بين الصناديق البلاستيكية ورائحة النفايات. حصنان ساتران. سيسمح المنظار القديم والأسود بإلقاء نظرة مركّزة عن قرب، وسيتم إخفاؤه في كيس من القماش. يجب إجراء المراقبة أسبوعياً، مرتين في الأسبوع. بعد ظهر يوم السبت، قبل نهوض المصلين من قيلولة الظهيرة ويوم الأحد ظهرا. ساعات يجثم فيها الشارع على الإسفلت، حالمًا، تحت أشجار الجميز والساسم. يوم السبت الماضي سمعَت الرجل يتحدث الإنجليزية الغربية، يوزع التعليمات والإطراءات. هير كيتي كيتي. غود دوغ. ومرة أخرى، أثناء إطالته الحركات. غوووود دوغي. اليوم، الأحد، هادئ جدًا. من حين لآخر، أصوات غرغرة ورنين الحديد وأصوات قضم عرضيّ ونداء ديبورا آر يو ذير؟ يجب تدوين جميع العمليات بعناية في الكراسة ووضعها في الكيس. ثمّ تحليلها واحدة تلو الأخرى.

في المنزل رقم خمسة، تعيش ديبورا وزوجها. سقفهم القرميديّ متّسخ وقديم، وعلى الجدران الخارجية قالب ذو نتوءات مدبّب من الجصّ المرشوش لم يتم طلاؤه منذ مدّة. ديبورا بدينة جدّا ذات شعر أسود، أملس، مزيّت وأشعث. ترتدي دائماً أرواباً زهرية كبيرة الحجم، بينما هو نحيف جداً يربّي ذقنًا ويرتدي دائماً الكتفيّات البنيّة. لم ينجبا أطفالاً. لديهم سجن للقطط والكلاب. ليس واضحًا كم عدد الحيوانات التي يحتفظون بها. إنهم يحبون حيواناتهم القابعة في قفص كبير، عرضه كعرض حديقتهم فيما يصل طوله باب بيتهم. يتحدثون إليها باللغة الإنجليزية. تستند ديبورا إلى البوابة الحديدية، بدينة كالحوت، تقصّ على الرّجل قصصًا بنبرة عالية ومنفّرة لحرف الرّاء مثل زعق صفارة الشرطة، وترمي قطعًا صغيرة من الدجاج إلى القفص. القطط لا تسمن. الكلاب تريد الخروج.

بعد الظهر، تُفَتح إحدى الكرّاسات. هناك مشكلة في المحلول. خلطوا محلولا ملحيًا بتركيز عشرين بالمائة مع محلول ملحيّ بتركيز ثلاثين بالمائة وحصلوا على ثماني مائة غرام محلول ملحيّ بتركيز أربعة وعشرين بالمائة. كم غرامًا أخذوا من كلّ نوع؟ أغلقت الكراسة.

يوجد خلف المستودع زوج دراجات باللون البرتقاليّ. لديهم عجلة إضافيّة واحدة ويمكن الركوب عليهما دون خوف، لكنهما يُحدثان ضجيجًا. تقرر دوريت القيام بجولة على عجلتين. لا يُسمع نباح، ولا حتى مواء قطة. ولا حتى أيّ شهيق صادر من الأنف، احتكاك الفك باللسان أو حكّ الأذن بالأظفر. الحيوانات لا تخشى الدراجات. كادَت الجولة تنتهي بنجاح، لولا ديبورا، التي وجدتها دوريت بعينيها الصغيرتين، والتي ربما لم تكن صغيرة على الإطلاق، وإنّما كانت على هذه الحال فقط بسبب طيات الدهن التي علقت، متورّمةً، على كلّ وجهها. مرحبا ديريست. ديريست هي دوريت الباحثة، التي ترغب في النّظر إلى عيون الحيوانات ومنحها معنى. . تم الإمساك عليها أثناء جولة. مرحبا. تجيب دوريت وتتأكّد من أنّ المنظار مخبأ في كيس من القماش الملفوف. تنتقل ديبورا إلى العبريّة بلهجة فظّة. ألا تجيدين ركوب الدراجة؟ لا. تحاول دوريت النّظر إلى ما وراء الجسد الهائل والتقاط عينين خضراوين لقطّ سياميّ، قطعة من ذيل فرويّ لكلب بودل، ولكن لا يمكن التقاط أي شيء يتجاوز الجلابية الحريريّة الورديّة التي ترتديها ديبورا. يجب إنزال هذه العجلة الصغيرة، هذا المطلوب وكفى. لا تخافي يا ديريست. تقول مبتسمةً.

لستُ خائفةً، تكذب بثقة، على نفسها وعلى ديبورا. هذا أمر مؤقّت. في ختام الإجازة، سوف أُنزل العجلة. ويت أ سيكَند، دير.  تختفي ديبورا داخل المنزل، تفتح باب الشّاشة الذي طُرق خلفها كما لو كان صوت ضربة، ثمّ الباب الخشبيّ الثقيل، وتختفي وهي تخطو مثل الدبّ. آن أوان إخراج المنظار وفحص ما يجري هناك في القفص في الفناء الخلفيّ، لكن كم تبقّى من الوقت أساسًا؟ تعود ديبورا وبيدها زرديّة كبيرة تمدّها إلى الأمام. ذير يو غو، تقول مبتسمةً، وتنحني إلى الأسفل. تفصل العجلة الإضافيّة عن الدراجة وتجعلها تسقط في الشارع بضربة خفيفة تهزّها إلى الهامش. وِل، غود لاك ديريست. تبتسم، تدير ظهرها لدوريت، تستند إلى البوابة الحديديّة وتنظر إلى حديقتها برضا. تنظر دوريت بحدقتين متحرّكتين بينما تتلاشى قبضتها عن الزردية الكبيرة تدريجيًا. كانت ثقيلة عليها. الزردية موضوعة في أحد الأصص المهجورة، المتربة والمغبرة، التي لا ينمو فيها سوى حشيش النجيل. تنزل دوريت عن مقعد الدراجة، تمسك بالمقود وتجذب الدراجة باتجاه اليمين في أعلى طريق العودة إلى المنزل.

يتربص المساء من داخل طاولة الكتابة. أسئلة في النّسبة. مجموع عددين هو أربعون. النسبة بين العدد الكبير والعدد الصغير هي 2 إلى 3. ما هو العدد الصغير؟ تمسك دوريت بمجموعة من الأقلام الملونة. تدوّن في الكراسة، في رأس الصفحة، الكلمات “العدد الصغير هو” باللون الأحمر، وترسم من حولها قطّ رماديّ يجلس على سور، يتأرجح ذيله يمينًا بوضعيّة تذكّر بعلامة النّصر. إلى جانب القطّ ترسم الكلب سنوبي، مستريحًا على سطح وِجاره.

ككلّ مساء، وُضع التلفاز في الشرفة وبث الألعاب الأولمبية. ثلاث رياضيّات يحلّقن الواحدة تلو الأخرى واحدًا تلو الآخر بالتوازي، مرتديات بدلة لصوقة بيضاء، شعورهنّ ملفوفة جيدًا في هيئة كعكة صغيرة، معززة بدبابيس الألومنيوم. على صدورهنّ عُلّقت بدبّوس علامة من القماش تحمل أعلامهنّ الوطنيّة وشعارًا تجاريًا يشبه الجناح لشركة منتجات رياضية. لفةٌ فطَيران, لفّة فهبوطٌ بساقين على خط الهبوط مباشرة. يرفع القضاة اللافتات ويوزّعون الدرجات. تنحني الرياضيّات ويركضن خلف الكواليس. صوت نقيق ضفدع قادم من العشب. تنهض دوريت عن الكرسي، تتأمل مقابضه المصنوعة من الألومنيوم، في المقعد المصنوع أفقيًا وعموديًا من القماش المشمع باللونين الأخضر والأصفر. تغادر إلى ملجأ الحي، تصعد الدرج، ترقب الظلام في منزل ديبورا.

الزرديّة لا تزال هناك، في الإصيص. آن أوان التحليق. بصعوبة، تنحشر في الزاوية الحادّة للفتحة الضيقة التي تسمح بها البوابة المقفلة بسلسلة، والتي يتمّ تحريكها بلا صوت بأيدٍ صغيرة ومحاولة فتحها. تُمسك بالزردية الموجودة في الإصيص وتنفلت صوب الحديقة الخلفية، وهي مكان لم يزره أحد من قبل، حيث تسمع البث الأولمبي القادم من المنزل، بينما يجرّ زوج ديبورا كرسيًا. ترى دوريت الأصوات. ألسنة قطط تشرب اللبن الرائب، عيون كلاب تلمع من شعاع الضوء الوامض من  مصباح الشارع القريب. تقرر أن تهاجم القفص في مكانين، لكن نقرة واحدة لا تكفي، بقوة، بدون خوف. تدرك الحيوانات حجم المكانة وتظلّ صامتة. تهزّ القطط أجسادها خارج القفص وتتثاءب، تقفز الكلاب إلى الأمام وإلى الخلف. لم يُصب أيّ قطّ بالرّعب، ولم يحلّق أيّ كلب، ولم يتحدّث الخَلق، بل صمَت العالَم. من التلفاز الموجود في صالة ديبورا وزوجها صدر صوت المذيع قائلاً: “رقم قياسيّ عالميّ جديد”، ولم يهرب أيّ حيوان مع دوريت. لكن الليل جليّ والإجازة كبيرة وما زال هناك شهر بحالِه على انتهائها.

*نُشرت القصّة لأول مرّة في عدد 31 لمجلّة “شفو”، منشورات ابن حوشن، 2017.

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا