صموئيل شمعون | من:العربيّة

ملكيان في “كاتورز جوييه”: ملكيان في “كاتورز جوييه”

Introduction by كمال الرياحي

تنطلق الحكاية  عند صاموئيل  شمعون من مصادفة بحتة تجمع الراوي  بشخصية أخرى وتنشأ العلاقة  بينهما لتبدأ الحكايات في التناسل.  في روايته "عراقي في باريس"، والتي صدرت عام 2005،  يبني  شمعون  روايته عبر تقنية الوحدات السردية  المغلقة  والتي يستدعيها من فن القصة القصيرة.  فكلّ  فصل يمكن قراءته كقصة  قصيرة منفردة ولكنه يشكل حلقة من سلسلة سردية كاملة وبرنامج سردي كامل هو الرواية. 

يقدم الأديب في هذا النص مقاربة  لوضع المنفي في باريس و قد اختصر في هذا المقطع مآلات طبقتين  وتاريخ بلدين، فَيوم عيد الجمهورية  كان ذريعة للحديث عن مصير الملكيين وأحفاد الملكية: مشيلين الملكية الفرنسية التي تطارد كلبها  وعشاقها بعد أن فقدت حتى زوجها وابن الملكية  العراقية المشرد بين حانات باريس ومقاهيها  يبحث عن مأوى  بعد أن ضاع وطنه بسقوط  الملكية. 

يشكّل الكلب الضائع  صورة  للشخصيتين الحالمتين الحزينتين.. حلم  ما زال يراود  هذه الكائنات  الملكية الشريدة باستعادة الأوطان القديمة. نحن أمام  نص يقلب  فيه أسئلة الذات والأوطان الضائعة،  كل ذلك من خلال فكرة الجسد المعروض  باعتباره كل ما بقي من ملكية.  أجساد  فرنسية وعراقية ويابانية تجرها الشخصيات  فخاخًا عارية وملاذًا حتى تحولت إلى اوطان  جديدة تخزن كل ذاكرة التيه والحنين في أرض الجمهورية. فما الذي سيحدثه ظهور الملكي الأخير؟

  بين الاوتوبيوغرافيا  والتخييل  ينسج  هذا النص عالمه كقطعة من الحياة؛  حياة سائبة.

 

 
 
اقرأ المزيد

طلب منّي صديقي كلود، النادل في مقهى “أوشيه دو لا أبيي”، أن أنهي كأسي بسرعة. الساعة الثانية والربع صباحاً، وعليه أن يغلق باب المقهى. مشيت بضع خطوات وجلست في ساحة فورستنبيرغ. هنا “أنظف” دماغي كل يوم. كان البيت الذي قضى فيه الرسام الشهير دو لاكروا سنواته الاخيرة، قبالتي، وقد أصبح متحفاً الآن. بدأت أدخن سيجارة. فكّرت أن أتجه الى محطة أوسترليتز. لكنني لا أستطيع النوم ومزاجي معكّر.

“إلى متى يكرّر الفرنسيون هذه المسرحية المملة؟!” قلت بصوتٍ عالٍ وكأنني أخاطب الفنان الكبير. كنت أقصد هذه الاستعراضات العسكرية الهائلة التي يقيمونها كلّ سنة. آلاف الجنود، مئات من الدبابات والمدفعية والصواريخ، عشرات الطائرات تحلق في السماء، وحشد هائل من البشر في كل مكان، وشرطة المرور تغلق الشوارع الرئيسية المؤدية الى قلب باريس، مما يؤدي إلى فوضى هائلة تستمر طوال النهار. وتقوم القنوات التلفزيونية ببث هذه الاستعراضات مباشرة، ونرى نفس هذه الصور في شاشات مئات الآلاف من الأجهزة التلفزيونية المعروضة في فترينات محلات بيع الالكترونيات. أحبّ فرنسا ولكنني لا أحبّ هذا اليوم الذي يسمونه “كاتورز جوييه” (الرابع عشر من تموز)، الذي يحتفلون فيه بذكرى الثورة الفرنسية.

تركت ساحة فورستنبيرغ وقررت أن أقوم بنزهة حول كنيسة السان سولبيس بانتظار أن يبزغ الفجر لأدخل أي مقهى أجده أمامي. لمحت عند نهاية شارع بونابرت المتقاطع مع شارع فيو كولومبييه، امرأة أنيقة تسير بخطوات أثارت انتباهي. كانت ترتدي شورتاً قصيراً، أبيض، يكشف عن ساقين مكتنزتين. خمنت أنها تقترب من الخمسين. عندما تقلصت المسافة بيننا بدت لي حزينة.

“لماذا أنت حزينة، مدام؟!” قلتها دون أن أنتظر أي رد منها. كنت ثملا، وكانت الساعة تقارب الثالثة صباحاً.

توقفت السيدة وقالت وهي تحاول أن ترسم ابتسامة صغيرة “نعم، أنا حزينة جداً، مسيو”.

“أنا آسف جداً، مدام” قلت.

“لقد أضعت كلبي الصغير في الكاتورز جوييه، مسيو. أليس هذا محزناً!” قالتها بغنج وهي تبلل شفتيها وتمدّهما إلى الأمام.

“وأنا أضعت وطني في الكاتورز جوييه، مدام، أليس هذا محزناً؟” قلت ساخراً.

ضحكت وقالت وهي تغمض عينيها بغنج “وكيف حدث هذا؟”

“إنها حكاية طويلة، مدام”.

صمتت السيدة للحظة، ثم قالت “اسمع. هل تريد أن تشرب كأساً معي، أعرف محلا يبقى مفتوحاً حتى الفجر”.

عبرنا بولفار السان جيرمان وسرنا بمحاذاة الكنيسة، قالت لي “أنا أقيم في هذا البولفار. أليس رائعاً أن يقيم المرء في هذا الحي”.

“هذا حلم بالنسبة لي” أجبتها.

“لي أيضاً”. قالت بمرح، ثم أضافت “تصور كم سيكون الأمر رائعا، لو أننا صادفنا كلبي الصغير الآن”.

“سنجده، صدقيني مدام، أنا أشعر بذلك”. قلت.

وقفت وتطلعت اليّ:

      “أنت لطيف. تشعرني بالألفة، لقد قلت (سنجده) هذا لطف منك”.

هززت كتفيّ ولم أعرف بماذا أرد.

“نعم أنت لطيف” كررت.

عندما دخلنا مقهى “لو كونتي”، حيّاني داميان، مدير المقهى، ومدّ يده مصافحاً.

“يبدو أنك مشهور؟” قالت السيدة.

“في الحانات فقط” أجبتها، فضحكت بصوتٍ عالٍ.

طلبت نبيذاً أحمر، وطلبت هي “كير رويال”. وعندما لاحظت داميان يخرج من البار، عرفت أنه سيذهب إلى غرفة المخزن الواقعة خلف البار، بالقرب من التواليت. اتجهت فورا الى التواليت، وانتظرت لحظات حتى خرج من المخزن، فقلت له “داميان، من فضلك إذا اضطررنا الى الشرب كثيرا، هل يمكن أن أدفع الحساب غداً، لقد تعرفت على هذه السيدة اليوم”.

“بالتأكيد” قال داميان ثم أضاف “إنها تقيم في باريس منذ اسبوعين فقط، كانت في كاليفورنيا”.

“تعرفها؟!”.

“تأتي في الليل لتشرب كأساً. إنها تسكن على مبعدة خطوات من هنا”.

قالت السيدة إن اسمها ميشلين، وسألتني عن اسمي، عن حياتي، وماذا حدث لبلادي. رويت لها أنني أعمل حالياً في شركة للترجمة والطباعة، وأن طموحي هو أن أصبح مخرجاً سينمائياً. وعن بلدي، أخبرتها أن مجموعة من الضباط الأشرار قاموا في “الكاتورز جوييه” من عام 1958 بانقلاب عسكري دموي أطاح بالنظام الملكي في العراق، ومنذ ذلك الوقت يعيش الشعب العراقي تحت حكم العساكر الأجلاف.

“هل أنت ملكي؟” سألتني.

“نعم أنا ملكي. أعتقد أن النظام الملكي في بلادي كان أفضل بالنسبة لنا”.

هزّت رأسها متفهمةً. وقالت ” لقد عشت أكثر من 15 سنة في كاليفورنيا. كان عندي مطعم كبير هناك، مختص بالمطبخ الفرنسي، حسناً كنّا نمتلكه أنا وزوجي. انفصلت عنه منذ شهر”. ثم أضافت وهي تطلب كأساً إضافية “أنا طباخة محترفة. فكرت أن أفتح مطعماً هنا في باريس، لكنني قررت أن أستكشف الأجواء أولا، لذلك قبلت العمل كـ”شيف” في مطعم مشهور، يقع خلف باليه دو جوستيس (قصر العدالة). زبائني هم من أشهر قضاة باريس”. بعد لحظة صمت سألتني “أين تقيم”؟

“منذ فترة تركتُ سكني الذي كان قريباً من هنا، وحاليا أقيم في ستوديو صغير يقع بالقرب من المطبعة التي أعمل فيها. قرب بورصة باريس”.

“منطقة جميلة. ولكنها بعيدة من هنا”. قالت.

ظللنا نشرب حتى أغلق المقهى بابه، فدعتني لمواصلة الشرب في بيتها “أنه على بعد خطوات، تعال معي”.

في الصباح، خرجت ميشلين من الحمام، وكنت ما أزال في السرير، قالت صباح الخير وانحنت لتقبّلني. فسحبتها إلى السرير.

“هل تعرف أنني أيضاً ملكية” قالت. “أنا طباخة، والطباخ لا يمكن إلا أن يكون ملكياً، أليس كذلك”؟

“نعم” قلت وأنا أزيح عن جسدها المنشفة الكبيرة.

ذهبت ميشلين إلى العمل وتركتني نائماً، وعندما عادت كنت في الحمام آخذ دوشا وأغني بحماس أغنية Dans Tes Bras لشارل أزنافور، فأخذتْ تغنيها معي وهي تخلع ثيابها وتدخل تحت الدوش.

“أعرف شارل أزنافور شخصيا” قالت ميشلين ونحن نتناول طعاماً فرنسياً فاخراً جلبته من المطعم. “لقد كنت الطباخة الخاصة لمغني البوب ليونيل ريتشي”.

“واو، أنا أحب ليونيل ريتشي كثيراً” قلت لها.

“أنا أيضاً” قالت ميشلين “كنت طباخته المفضلة لسنوات طويلة. ذات مرة كان شارل ازنافور أحد المدعوين عند ليونيل ريتشي وكنت أتولى الإشراف على الطبخ. قال لي ليونيل ريتشي (ميشلين ارجوك اهتمّي بالطعام اكثر من اي وقت، فالضيف القادم هو شارل ازنافور، أنه “حِشَري”، يضع أنفه في كل كبيرة وصغيرة في المطبخ، من فضلك، لا أريده أن “ينق”). وبالفعل عندما جاء أزنافور تدخل في كل صغيرة وكبيرة بما يخص الطعام. أنه كثير النق ومتطلب”.

“هل ليونيل ريتشي، لطيف كإنسان” سألتُ ميشلين.

“جدا”. قالت ميشلين بحماسة.

ثم سألتني إن كنت اتصلت بشركة الترجمة وأخبرتهم عن غيابي. قلت لها أنهم متعوّدون على سلوكي. وذكرتها “لا تنسَي أن البارحة كانت احتفالات الكاتورز جوييه”.

“كاتورز جوييه، ذكرتني، علينا أن نخرج ونبحث عن الكلب، ربما نجده في المكان الذي أضعته”.

“في ساحة السان سولبيس؟”

“نعم، قريباً من منزل كاترين دونوف، الممثلة، هل تعرفها؟”

“ومن لا يعرف كاترين دونوف!”

“صحيح. البارحة قلت لي شيئا عن السينما”.

“أحبّ أن أكون سينمائياً”.

“صحيح، أتذكر ذلك”.

ذهبنا إلى مخفر الشرطة المواجه لكنيسة السان سولبيس حيث قدمت ميشلين البيانات الخاصة بالكلب المفقود. ثم قضينا الظهيرة ندور في الطرق المحيطة بالكنيسة. شربنا بضع كؤوس من النبيذ الأبيض في المقهى المقابل للكنيسة. ثم قالت إن عليها أن تعود الى البيت وبعدها تذهب إلى العمل. اقترحت أن أذهب معها لتعطيني نسخة من مفتاح البيت.

“أشعر أنني بدأت أقع في حبّك” قالت.

“أنا أيضاً” قلت.

وقبل أن تذهب الى العمل، ذهبنا إلى السرير. ثم أخذت ميشلين دوشا وخرجت.

نهضتُ ووضعت طاولة صغيرة عند النافذة المطلة على بولفار سان جيرمان، جلبت قنينة البوربون ورحت أشرب، وبما أن البيت كان يقع تماماً فوق مقهى “أولد نيفي” المحرم عليّ دخوله بسبب مشادة مع صاحب المقهى، تخيّلت نفسي جالساً في الطابق الثاني من المقهى، رغم أنف صاحبه.

لم يكن صحيحاً ما قلته لميشلين بخصوص العمل. كلّ ما في الأمر كانت هناك شركة صغيرة تقوم باعمال الترجمة والطباعة، يديرها لبنانيّ اسمه جان، كان يحتاجني أحياناً لطبع بضع صفحات باللغة العربية. ومن حسن حظّي أن جان أبلغني قبل لقائي بميشلين بأسبوع، أنه وقع عقداً مع شركة فرنسية معروفة بصناعة الأسلحة، لترجمة بعض الكاتالوغات الخاصة بالأسلحة التي باعتها الشركة مؤخراً لعدد من دول الخليج العربي، فقد كانت الدول العربية تشترط أن تكون الكاتالوغات باللغة العربية. كان جان سعيداً يومها وهو يدعوني لشرب كأس معه، وهو يزفّ لي نبأ هذه الصفقة. وأخبرني أنه سيحتاجني “على الأقل لمدة شهرين”. ثم أعطاني مبلغاً على الحساب.

قبل أن تعود ميشلين من العمل، رن جرس التلفون. رفعت السماعة، كان على الخط شاب فرنسي سأل عن السيدة ميشلين وقال إنه كان في احتفالات الكاتورز جوييه بصحبة صديقته في أحد المقاهي، فجاء كلب صغير وجلس الى جانبهما، فلمّا غادرا المقهى فجرا حملاه معهما “لأننا عرفنا أنه ضائع”. ثم شرح لي التفاصيل قائلا أنه رأى في السلسلة المعلقة في رقبة الكلب، رقماً تلفونياً في أميركا. اتّصل بالرقم فردّ عليه رجل يتحدث الانكليزية بلكنة فرنسية، وهو الذي أعلمه بأن الكلب إنما يعود لزوجته السابقة الموجودة في باريس حاليا، ثم زوّده برقم تلفون ميشلين. شكرت الشاب وطلبت رقم تلفونه، ثم أخبرته أنه حالما تعود ميشلين من العمل ستتصل به.

“ألم أقل لك سنجده” صرختُ بأعلى صوتي وأنا أحملها، هي والأكياس التي كانت بيدها.

“انتبه انتبه ثمة قنان من النبيذ الابيض”. قالت ميشلين ثم وقفت جامدة، حدّقت بي “أشم رائحة البوربون، أرجوك لا تلعب معي”.

“إنني لا ألعب يا ميشلين، لقد وجدنا الكلب”.

“أين؟ هل اتصلت الشرطة”. هززت رأسي بالنفي ورويت لها الحكاية. أخذت رقم التلفون وراحت تتصل به، فيما انشغلت أنا بتفريغ الأكياس ووضع الأطعمة والنبيذ في الثلاجة. فجأة انطلق صراخ ميشلين “لابد أن نحتفل بهذا الخبر، إنه الاحتفال الكبير!”. لقد تأكدتْ من صحة الخبر بنفسها فأخذت ترقص وتعانقني وتسحبني إلى السرير. وقبل أن نخلع ثيابنا، طلبت أن افتح قنينة من النبيذ الابيض وأتركه بجانب السرير.

لم أحب كلب ميشلين أبدا. كان بشعاً. وكانت تقبله طوال الوقت. ومنذ أن ظهر بيننا صار يضايقني. عندما تكون ميشلين في البيت، كان ينبح طوال الوقت محتجاً على وجودي. وعندما كانت ميشلين تذهب إلى العمل ويظل معي، لم يكن يفتح فمه إطلاقا. كان يتوارى عن نظري ويختبئ، فلا يعلم الله في أي زاوية من البيت. يظل كذلك حتى يخرج من مخبئه فجأة، يقترب مني وينظر اليّ بوقاحة ثم يأخذ بالنباح في وجهي. في تلك اللحظة بالذات، كان الباب ينفتح وتدخل ميشلين.

رغم المشاجرات الصغيرة التي كانت تحدث بيننا، نتيجة اختلافات أمزجتنا وطبائعنا باتت ميشلين ترتاح اليّ، وتشتري لي الثياب، خصوصاً القمصان من الماركات الجيدة، وكانت تحب ماركة Agnes b. وبما أنني أمتلك الخبرة في الطباعة والنشر، اشترت كومبيوترا وآلة طابعة ملونة. وقالت إنها ستؤلف كتابا عن المطبخ الفرنسي، نتولى إخراجه الفنيّ سوية، “ويمكنك استخدام الكومبيوتر لكتابة السيناريو الذي رويته لي”.

لم نكن نترك أي وقت فراغ يمر دون أن نذهب إلى السرير. قبل الخروج من البيت، وأثناء العودة، وبعد الطعام، وبعد الحمام. وذات يوم وأنا عائد من العمل، قالت لي إنها تدعوني إلى مطعم مكسيكي فاخر. في المطعم طرحت عليّ فكرة أن “نقيم معاً بصورة دائمة” وسألت “ما رأيك”؟

“إننا مع بعض، ميشلين” أجبتها.

“صحيح، ولكننا لم نتحدث حتى الآن في بعض التفاصيل المهمة”.

قلت لها بلا مبالاة وأنا أدق كأسي بكأسها “لنترك هذه المسألة حتى وقت آخر”.

عبست وقالت “كما تريد”.

ولكن هذه الـ”كما تريد” لم تكن من قلبها. اذ ما إن خرجنا من المطعم وسرنا بضع خطوات حتى أخذت تقول بصوت عالٍ “كلكم هكذا تستغلون طيبتي. لقد دعوتك إلى هذا العشاء الفاخر من أجل مناقشة علاقتنا فإذا بك تردّ ببرود (لنترك المسألة الى وقت آخر)، وقت آخر متى؟ ها؟ قل لي. الآن لا تريد الا الشراب والنيك. أليست هذه حقيقتك، أيها المشرد؟”. فتحت عينيها على وسعهما ونظرت في وجهي عندما نطقت “أيها المشرد”. نظرتُ اليها باستغراب. فقالت “طبعاً، سألت عنك فأخبروني بأنك تعيش على أوهام السينما، وتنام في الشوارع، ومع ذلك رضيت بك، بل ودعوتك إلى أفخر مطعم”. واصلت كلامها الذي أثار انتباه بعض المارة “كلكم هكذا تستغلونني. زوجي كان يخونني مع أقرب صديقاتي، في الوقت الذي كنت أشتغل له طوال الوقت”. فقلت لها “أنت أيضا كنت تنكحين شابا مكسيكيا عندما كان زوجك يأخذ قيلولته. أنت نفسك أخبرتني بهذه القصة!”

” هذه ليست مشكلتك”. قالت وصمتت.

سرنا بضع خطوات، التفتت إلي”أعطني مفتاح البيت من فضلك. تعال غداً وخذ أغراضك. آسفة انني لست عائدة الى البيت الآن، سأكمل سهرتي”.

أعطيتها المفتاح ونحن في وسط الشارع. ذهبت هي لتكمل سهرتها في حانات شارع برنسيس. واتجهت أنا صوب “أوشيه دو لا أبيي” وظللت اشرب حتى الثانية. وقبل أن يغلق البار بدقائق جاءت ميشلين وطلبت كأساً. النادلان مجيد وكلود استغربا أنها وقفت إلى جانبي دون أن تكلمني.

وضعت يدي في جيبي وهممت أن أدفع حسابي. فترددت للحظة، فكرت أن أدفع حسابها ولكني خشيت ردة فعلها. انتبهت إلى أنني أرتدي أحد القمصان التي اشترتها لي، فمن يضمن أنها لن تطالب به أمام الزبائن. كنت حائراً بالفعل.

كان يقف إلى البار ياباني من الزبائن الدائمين. كان غريب الاطوار، يظل لأيام يرفض الحديث مع أي زبون. ثم يأتي في يوم آخر ويتحدث مع الجميع. ومن عادته أيضا أنّه أثناء حديثه مع أحد الزبائن، ينسحب في منتصف النقاش، ويذهب ليتحدث مع زبون آخر.

اقترب الياباني من ميشلين ودعاها إلى كأس ثم دخلا في حديث مرح وبدأت تتعالى قهقهات ميشلين. استغللت الفرصة وانسللت خارجاً دون أن أفكر للحظة أن ميشلين سوف تتبعني بل وتستدرجني لأقضي الفجر في مخفر للشرطة.

في البدء فكرت في الابتعاد عن الحيّ، خصوصاً وأن المقاهي التي أشرب فيها مغلقة، لو دانتون وروليه أوديون وتينيسي وأطلس وبونابرت. تقاعست من السير نحو منطقتي الاوبرا او مونبارناس، ذهبت الى مقهى كونتي. وما هي الا لحظات حتى جاءت ميشلين محتضنة الياباني. اقتربت مني وقالت بهدوء “خذ هذا المفتاح أرجوك. اذهب وخذ أغراضك، فأنا وصديقي الياباني قررنا الزواج، ولا أريد أي متاعب”.

“حسنا” قلت وأخذت المفتاح، فيما راحت هي تقبل صديقها الياباني “يا حبيبي الياباني”. كان بعض الزبائن ينظرون الينا ويبتسمون، بعضهم من الزبائن الدائمين وكانوا يعرفون أنها من المفترض صديقتي.

ولما لم يكن البيت يبعد عن “لو كونتي” سوى مئتي متر، ذهبت فوراً وبدأت بتجميع أغراضي. نظر إليّ الكلب من زاويته وهو يرتجف. ابتسمت له. ظل يلهث ويحدق فيّ. وقبل أن أضع قنينة الجاك دانييلز في الحقيبة، فكرت أن أشرب كأساً، فميشلين لن تأتي قبل الخامسة، هكذا خمنت. ولكن ما أن بدأت أشرب حتى أخذ الكلب ينبح، فدخلت ميشلين وصديقها الياباني. داعبت الكلب، ثم هاجت عندما رأتني جالساً والكأس بيدي.

“بَيتي ليس باراً، هل تفهم؟” حاولت سحب الكأس من يدي، فدفعتها بقوة نحو السرير. أخذ الكلب ينبح، ورأيت الياباني يفتح أزرار بنطاله ويدخل الحمام، مغلقا الباب وراءه.

“تضربني؟!” صرختْ.

“انت عاهرة حقيرة”. قلت بغضب.

أخذت ميشلين التلفون واتصلت بالشرطة. ولم تتركني أغادر البيت الا عندما جاء رجال الشرطة، فأخبرتهم بأنني رجل عنيف وأرفض ترك البيت.

“أنت عاهرة، ميشلين، وأنت تعرفين ذلك”. قلت لها وأنا أخرج مع الشرطة. كان الياباني ما زال في الحمام، والكلب بدا سعيداً في حضنها.

في السيارة سألني الشرطي “هل اشتريتما كلباً جديداً؟”. نظرت اليه باستغراب. فقال انه رآنا عندما جئنا الى المخفر وأبلغنا عن ضياع الكلب. فرويت له كيف عثرنا على ذلك الكلب “البشع”. ضحك الشرطي. ثم قال بلطف إنهم مضطرون لاحتجازي حتى الساعة السابعة والنصف صباحاً. فطلبت منه إن كان ممكنا أن أظل الى الحادية عشرة “لأنني أريد أن أنام قليلا”.

“لا أظن”، قال الشرطي، ثم أضاف “على أية حال دوامي ينتهي في التاسعة، ولن أوقظك قبل ذلك”. ولكن الشرطي وأنا، كلانا نسي، أن اليوم كان يوم أحد، وأن أجراس كنيسة سان سولبيس المواجهة للمخفر، لن تدع أحداً ينام.

بعد هذه الحادثة، أخذت ميشلين تبحث عني في البارات وأحيانا تتصل بمكتب الطباعة والترجمة وتسأل عني. بعد يومين أو ثلاثة، وجدتني جالسا في ساحة فورستنبيرغ. قالت لي إنها كانت سكرانة وغبية، وإنها نادمة، وتدين نفسها لسلوكها البدائي. وعادت تروي تجربتها القاسية مع زوجها السابق “آه، لا تعرف كم كان قاسيا معي في تلك البلاد الغريبة”. ثم أشعلت سيجارة وأكملت “كنت مثلك غريبة. أميركا لم تكن بلدي وكنت أخشى من زوجي أن يلقي بي في الشارع وأصبح تماما مثلك، مشردة او لاجئة”، وأضافت “ماذا يعني أن يكون المرء مشرداً، كل واحد منا معرّض لأن يصبح مشردا في أي لحظة، لا استقرار في هذه الحياة، الا في (مونبارناس) أو (بيرلاشيز)” في اشارة إلى اسمي المقبرتين الشهيرتين.

كنت أهز رأسي وأنا أستمع اليها: “كان يأتي في الليل ويلقي بنفسه في السرير ويظل يشخر حتى الصباح، طبعاً كنت أعرف مضاجعاته للنادلات المكسيكيات في الظهيرة”.

“ولكن يا ميشلين أنت أيضا حدثتني عن مغامراتك مع المكسيكيين”.

“مغامرة وحيدة مع شاب وسيم”. قالت بغنج.

كانت ميشلين قد روت لي حكايتها مع شاب مكسيكي كان عشيقها قائلة: كانت فيللتنا الواسعة تقع على مبعدة سبعة كيلومترات من مكان المطعم. كان زوجي يفضل أن يقضي قيلولته في المطعم. فيما أنا كنت أذهب إلى البيت عندما تنتهي وجبة الغداء أعلمني الشاب، الذي كان يعمل غاسلا للصحون، أن زوجي كان يبقى في المطعم ليقضي قيلولته في مضاجعة النادلات. فاتحته بالامر وتعاركنا كثيرا، ولكن دون جدوى. فكان لا بد أن أفعل مثله، في النهاية أنا لست غبية إلى هذا الحد. خصوصاً وأنني كنت أعرف أن غاسل الصحون، الشاب القوي، مثله مثل أي مكسيكي يحلم بالنوم مع النساء الشقراوات، وكنت ألحظُ نظراته لي أثناء العمل في المطبخ. ذات يوم جئت إلى الشاب وقلت له إنني تركت صندوق السيارة الخلفيّ مفتوحاً، وطلبت منه أن يدخل فيه ويغلقه. عندما أنهيت عملي وفتحت الصندوق وجدت الشاب ممدداً وهو يتصبب عرقاً. أعدت إغلاقه، وانطلقت نحو البيت. وهناك بدأنا، نحن أيضا نأخذ قيلولتنا، كل ظهيرة وبعد فترة علم زوجي بالامر، فطرد الشاب، وصار يراقبني محوّلا حياتي إلى جحيم.

وافقت على الرجوع إلى ميشلين هرباً من جحيم الشارع. فالفترة التي قضيتها معها، كأحد سكان بولفار السان جيرمان، كانت مريحة، جعلتني أتهرب من حياة التشرد التي عشتها طوال عشر سنوات تقريبا. وقد اقنعت نفسي أن أفضل طريقة للبقاء معها هي أن أخرج في الصباح كأنني موظف يخرج إلى العمل، وأعود في المساء لأقضي الوقت معها، مثل أي شريكين.

لكن هذا البرنامج كان صالحاً لبضعة أيام فقط. اذ بدأت أحن إلى التسكع، والشرب مع الاصدقاء. وكنت أينما أذهب تأتي ميشلين وتسهر معنا. كانت تمر على جميع المقاهي إلى أن تجدني. وفي مرات عديدة كانت تسبب لي مشاكل مع أصدقائي. كانت تقول لي “اذهب إلى البيت وسألتحق بك”. فتأتي في الفجر لتروي لي بعض القصص لتثيرني. حدثت مشادات عديدة بيننا، اضطررت أن أترك البيت أكثر من مرة. كنا نتصالح وأعود الى البيت.

في صباح أحد الأيام، وكان يوم عطلة رسمية، تسللت الشمس منذ ساعات الفجر الاولى إلى نافذتنا. استيقظت نشيطا، أاخذت أداعب ميشلين التي بدأت تستيقظ قليلا قليلا وتستجيب لمداعباتي برغبة كبيرة. بعدها اقترحت عليها ان نذهب لنقضي اليوم بأكمله في فرساي “ألسنا ملكيين في النهاية” قلت لها.

“رائع” قالت “إلى فرساي، هذا شيء رائع حقا”.

عملنا ساندويتشات متنوعة وأخرجت من الثلاجة قنينتين من الموسكاديه. ثم أخذنا القطار الى فرساي. زرنا كل الامكنة مع مئات من السياح. التقطت لميشلين صورا عديدة، عند بوابة القصر، في حدائق القصر الخلابة، ثم طلبت ميشلين من سائح ياباني أن يلتقط لنا صورة مشتركة ونحن نضع نظارتين شمسيتين. عثرنا على عش تحت إحدى الاشجار، قضينا فيه على الساندويتشات والموسكاديه وتمددنا. ولما حان الغروب قلت لميشلين “سوف أؤجر قاربا صغيرا لنقضي الغروب في البحيرة”. ابتسمت ميشلين وقد بدت سعيدة جدا.”سوف ترين قوة ذراعيّ”. أضفت وأنا أقوم بذراعيّ بحركات من يقوم بعملية التجذيف.

ما إن نزلنا في القارب حتى قالت ميشلين وهي تتلفت يمنة ويسرة “لكن معظم الناس ذهبوا”.

“السياح يحبون مشاهدة الغرف الداخلية للقصر”. أجبتها.

“ما أجمل المكان” قالت ميشلين بصوت ناعم “تصور بعد كل هذه السنوات، ما زال قصر فرساي مثل الجنة. أكيد أنه كان في أيام لويس السادس عشر أفضل بكثير”.

هززت رأسي موافقا.

“أنت على حق. إنني أشعر بفخر كوني ملكية”. قالت وهي تمسد قدمي الممدودتين بين قدميها.

كانت ميشلين تتحدث وأنا أقود القارب نحو عمق البحيرة، إلى مكان تكثر فيه الاشجار حتى أصبحنا في مكان منعزل وشبه مظلم. أخذتُ ألتفتُ يمنة ويسرة، ثم أحدق في ميشلين، وأنا أبتسم. أخرجت كاميرتها والتقطت لي صورة.

“لماذا لا تتحدث؟” سألت.

كنت أبتسم وأنا أحدق في عينيها، تارة، وفي ذراعيّ وهما يلويان المجذافين في مياه بحيرة فرساي في ذلك الغروب الخلاب، تارة أخرى.

“ألا تقول شيئا؟!”

التفتُ يمنة ويسرة، وحركت المجذاف بقوة ليدخل القارب في منطقة أكثر ظلمة.

“قل شيئا” قالت ميشلين بصوت عال. لم أجبها بل ظللت أحدق فيها.

“بماذا تفكر، ها. بماذا تفكر، قل شيئاً رجاء، قل لي ماذا يدور في رأسك؟!”

نظرت في عينيها ولم أقل شيئا.

أخرجت سيجارة وأخذت تدخن. “ولكن قل شيئاً. ها. بماذا تفكر، هيا قل لي بماذا تفكر؟”

“أفكر في هيتشكوك، افكر في فيلم لهيتشكوك، يا ميشلين”.

نظرت اليّ وقالت بصوت متوسل “لا، هذا غير صحيح. أنت لطيف. قلت لي إنك تريد أن تكون سينمائيا، أليس كذلك؟”

أخذت ميشلين تتلفت يمنة ويسرة، فيما صار وجهها أحمر بالكامل. أحسستُ أنها تكاد أن تفقد النطق تماما. وأخيرا قالت “لا تخفني أرجوك، أنت لطيف”.

“أنت أيضا”. قلت لها مبتسماً. ثم طلبت منها أن تشعل لي سيجارة.

“حالا”. قالت وهي تتنفس الصعداء، أشعلت السيجارة واضافت “الآن جاء دوري في التجذيف”.

أخذت تجذّف بسرعة، وقالت لاهثة “ألا تعتقد أنه علينا أن نعود!”

هززت رأسي موافقاً.

راحت ميشلين تجذف بقوة، وكأنها تحاول النجاة من الغرق. كنت أدخن سيجارتي وأنظر اليها فترسم ابتسامة كبيرة كلما التقت أعيننا. حين وصلنا إلى “الميناء” قالت ميشلين بارتباك “عليّ أن أعود إلى البيت بسرعة، نعم بسرعة، أنا متعبة جداً”.

لم نتحدث في القطار إطلاقا. عندما وصلنا البيت، فتحت ميشلين الباب بسرعة، اتجهت صوب التلفون، حملته إلى الغرفة المطلة على الشارع. وأغلقت الباب من الداخل، وقالت لي من النافذة الزجاجية الكبيرة التي تفصل ما بين الغرفتين.

“أرجوك، خذ أغراضك واتركني في حالي. لقد انتهت علاقتنا، انتهت انتهت”.

“أورفوار ميشلين”. حملت أغراضي وخرجت، ولم أسمع أي ردّ.

في تلك الليلة تنقّلت بين المقاهي، وظللت أشرب حتى الفجر بدون أن تظهر ميشلين. لم تظهر في اليوم التالي أيضا ولا بعده. لم أرها لأكثر من شهر، حتى سمعت يوماً أنها تركت باريس وانتقلت مع غاسل صحون مغربيّ كان يعمل معها إلى مدينة أخرى حيث قررت أن تفتح مطعماً خاصاً بها هناك.

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا