محمد الحباشة | من:العربيّة

موسكو

Introduction by كمال الرياحي

ظلت الأيديولوجيات مصنع أغلب الأدب العربي بين يسارية أو قومية أو إسلاموية. لكن تلك النصوص الأدبية ظلت تنتج  شخصيات نمطية هي في الغالب مجترحة من طبقة المثقفين حيث يكثر على ألسنتها التنظير والتأويل والخطابية والتفلسف. ويدور غالبها عن النضال والأزمنة الجميلة لهذه الأيديولوجيات. ولئن بدأت تظهر نصوص تقدم مراجعات لتلك الأيديولوجيات خارج منطق البروباغندا الثقافية والحنين، فإن نصوصًا أدبية قليلة حاولت مقاربة تلك الأيديولوجيات واندحارها مقاربة اجتماعية طريفة.

محمد الحباشة، روائيّ تونسيّ شابّ، وهو من الأصوات الروائيّة الواعدة في السّاحة الأدبيّة العربيّة، يقدّم  مقاربة أيروسية ساخرة لقصة نهاية الشيوعية في رأس شخصية بيكارسكية تونسية من الطبقة المتوسطة وارتخائها الأبدي.

اقرأ المزيد

 نور الدين الأجنف كان شيوعيّا سنوات الجامعة.

وبعد سقوط الاتّحاد السّوفياتي ترك الشّيوعيّة نهائيّا. أو ربّما كانت هذه إشاعة يتداولها المقرّبون منه. بعدها تفرّغ “نوره” للعمل في تدريس الفيزياء والاهتمام بعائلته. ولكن لا أحد يستطيع التّشكيك في حبّ الرّجل لروسيا. إذ كان يقوم برحلات تدوم بضعة أيّام إلى عدّة مدنٍ هناك، هو وشلّة أصدقائه ومعهم كبيرهم صلاح عامر، الذي كانوا يطلقون عليه “الكابّو” أي الزّعيم أو الرّئيس بالإيطاليّة. والكابّو رجل في السّتّين لم يتزوّج قطّ وعاش حياته هيبّياً. كان له خرصٌ في أنفه ووشم تنّين على ذراعه وكان يربط شعره الأبيض ذيلَ حصان ويطلق لحيته بعض الشّيء، وكان مولعاً بالرّوك ميوزيك والمخدّرات وتربية الأفاعي.

 لم تكن الجولات التي يقومون بها في بلد الدبّ الأبيض جولات سياحيّة عاديّة، من تلك التي يزور فيها النّاس المتاحف وصالونات الفنون والمواقع الأثريّة وغيرها من كليشيهات السّفر المعتادة، بل كانت جولاتهم فاصلاً للتسكّع اليوميّ في بلد آخر غير تونس. وكانت الطّرائف التي تحدث لهم في الأثناء تكفيهم لأحاديث السّهرات اللاّحقة، وما تتطلّب من مشاكسات وضحك على أنفسهم وعلى الآخرين. فمثلا، في آخر رحلة، بحثوا عن مطعم يعدّ الأكل التّونسيّ في “سان بطرسبرغ” وتعرّفوا إلى الطبّاخ الذي كان ابن بلد. وسرعان ما تحوّل الرّجل إلى موضوع للتندّر وهو يأتيهم بصحون “الكسكسي” بلحم العجل. فكلمة “بلاد” باللّغة الرّوسيّة الدّارجة هي “العاهرة” وكان الكابّو يشكره قائلا “ابن بلاد أصيل.” والرّجل يجاريه بابتسامة ووجهه يأخذ بالاحمرار، فقد كان يشكّ في مقصده. بالأخصّ حين يلاحظ أنّ أفراد الشّلّة صامتون ولا أحد منهم يضحك. وكانوا يتعمّدون ذلك حتّى لا يفسدوا مزحة الكابّو، فمنذ أن ينصرف “ابن البلاد” نحو مطبخه يأخذهم ضحك هستيري، إلاّ الكابّو فقد كان يقوم باستطراداتٍ عن الأمر تزيد من ضحكهم.

هذه السّنة، سيكون على نور الدّين والكابّو أن يزورا موسكو لوحدهما إذ كانت لبقيّة الأصدقاء شؤون أخرى. وبعد قضاء اللّيلة الأولى في ملهى ليلي وشرب الفودكا ومشاهدة الرّوسيّات يرقصن السّتربتيز، أخبر الكابّو نور الدّين، وهما عائدان إلى الفندق في سيّارة الكراء، بأنّه سيصطحبه في الغد إلى منتجع صحّي حيث توجد روسيّات جميلات يقُمن بتدليك ممتاز مقابل أربعين روبلاً فقط. وسيشعر بعد حصّة التّدليك بانتعاش كبير وبارتياح من التّعب والضّغط. وافق “نوره” على الاقتراح. وفي الغد، كان “الكابّو” وراء مقود السّيّارة يحدّث صديقه من جديد عن المنتجع وأخبره بأنّه قد ذهب إلى هناك مرّات عديدة في السّابق. ثمّ صمت لبرهة وقال:” في الواقع، إنّهنّ لا يقدّمن التّدليك فقط.”

تطلّع نور الدّين نحوه وقال:

” أتقصد؟”

ابتسم “الكابّو” وقال:

” تماما يا عزيزي تماما.”

ضرب “نوره” جبهته في حركة مرحة ثمّ قال:

” أنت كارثة يا الكابّو!”

” عليك أن تعطيهنّ عشرين روبلا زائدة. سترى كيف يتمّ الأمر.”

 في المنتجع دخلا إلى حوضين ساخنين من “الجاكوزي” وبقيا لنصف ساعة تقريبا. خرجا والتحفا بروب الحمّام وتوجّها إلى صالة التّدليك حيث كانت هناك مدلّكات يلبسن “بلوزات” بيضاء تنتظرن قدوم الحرفاء، فالمكان لم يكن مزدحماً يومها. تمدّدا على بطنيهما على مقعدي التّدليك تاركيْنِ للمدلّكتين أن تقوما بعملهما. الكابّو كان يغازل مدلّكته. سألها أوّلا عن اسمها وقالت “أفرينا”. كان يجيد الرّوسيّة. كان يتحدّث معها وهي تضحك وتطلب منه أن يضع رأسه على المقعد ويسترخي. نور الدين كان يعرف بعض الكلمات ولكن لم يكن لديه إتقان “الكابّو” للّغة. كان نور الديّن يتابعه باسماً، وهو يشعر باليدين النّاعمتين للمدلّكة تمرّان على ظهره. طلب منهما “الكابّو” أن تتركاه للحظة مع صديقه. استغرب نور الدين من ذلك، وبينما كانتا تسيران نحو الباب قال موشوشاً للكابّو:   

” لماذا فعلت ذلك؟”

أجاب:

” كانت هذه إشارة.”

ثمّ مشيراً بإبهامه للخلف:

“الأمر يتمّ في غرفة الحمّام.”

ثمّ بسط راحة يده نحو نور الدّين وقال:

“معك أربعون روبلا؟”

“ألم تقل بأنّهنّ يطلبن عشرين فقط؟”

“نعم، أقصد لي ولك. أنت ستدفع.”

ضحك نور الدّين وشدّ رأسه بكلتا يديه وقال:

“نعم، معي.”

“انزل واحضرها إذن.”

   ونزلا معا من مقعدَي التّدليك. سارا إلى حيث وضعا ملابسهما. وبينما أخرج نور الدّين حافظته، أخرج “الكابّو” من جيب معطفه علبة أقراص. أخذ منها قرصاً وأعطاه لصديقه، فقال:

“ما هذا؟”

“هذا سيساعدك.”

“في أيّ شيء؟”

“في المضاجعة طبعا.”

” وهل تعتقد بأنّي أحتاجها مثلك؟”

“يا رجل خذ هذا وسترى، لن تندم.”

أخذ نور الدّين القرص متردّدا، ثمّ ابتلعه هو يرجع رأسه للخلف. بعدها قال “الكابّو”:

“اتبعني.”

وتبعه نور الدّين ووجد المدلّكتين فعلا بانتظارهما في غرفة الحمّام. دخل “الكابّو” مع أفرينا بعد أن قدّم إليها العشرين روبلا. ودخل نور الدّين مع مدلّكته بعد أن قدّم إليها المبلغ أيضاً، وقالت بأنّ اسمها “أوكسانا” وهي تلعق ذكره وتنظر نحوه بعينيها الخضراوين. وبعد أن انتهيا، لبسا ثيابهما وخرجا. وكان نور الدين متجهّماً. ركبا السّيّارة وكان “الكابّو” في مزاج جيّد. وعندما لاحظ أنّ صديقه لم يكن على ما يرام قال:

“ما بك؟”

“لا أبدا، لا شيء.”

“يا رجل تكلّم، ما بك؟”

“لا ولكن القرص…”

“قرص المضاجعة؟”

“نعم.”

“هل أصابك بتوعّك؟”

“لا.”

“إذن؟”

“لم يعطِ مفعوله.”

“ماذا؟”

“مثلما سمعت.”

ابتسم “الكابّو” وقال:

“أنت تمزح.”

” كلاّ.”

“على الأرجح أنّ تلك الشّقراء لم تبق فيك أيّ شيء. نساؤهم لسن مثل نسائنا يا عزيزي “نوره”، القرص يعطي مفعوله مع نسائنا ومع نسائهم نحتاج إلى مصنع كامل.”

” تعتقد ذلك؟”

” أكيد.”

    دخلا إلى غرفة الفندق. شرب نور الدين جرعة الويسكي الموجودة في زجاجة صغيرة أخرجها من ثلاّجة الغرفة. بعد قرابة السّاعة بدأ يشعر بآلام في ذكره. إذ بدأ يتمطّط بعد مضاجعة تلك المدعوّة “أوكسانا” وأخذ بالانتصاب. كان “الكابّو” جالسا هناك يبتسم ويتّفق مع “نوره” على برنامج السّهرة. فجأة، أخذ نور الدين يتململ، ثمّ نهض وأخذ يجول في الغرفة واضعا يديه فوق ذكره. قال “الكابّو” متمالكاً نفسه عن الضّحك:

” ما بك؟”

” زُبّي يا الكابّو…”

” ما به؟”

كان نور الدين يتحرّك بصعوبة وملامح الألم على وجهه. وانفجر “الكابّو” ضاحكاً مسترعياً انتباه صديقه. لم يضحك الكابّو في حياته مثلما ضحك في تلك اللّحظة. التفت “نوره” نحوه وقد شعر بأنّه قد تعرّض إلى خدعة. قال:

” إنّه القرص أليس كذلك؟”

هزّ الكابّو برأسه محمرّ الوجه من الضّحك. وحاول أن يتكلّم قائلا:

“القرص يعطي مفعوله بعد ساعة.”

” كنت تعلم ذلك من الأوّل ها؟”

وأشار “الكابّو” برأسه مؤكدا على ذلك. أخذ “نوره” وسادة الفراش وضربه بها صارخا: 

“اللعنة على ربّك، مأبون وحقير…”

وحاول “الكابّو” استرجاع أنفاسه وقال: 

“لا تقلق، ليس الأمر بالخطير. اشرب جرعات أخرى وسيرتخي من تلقاء نفسه.”

  وبدأ يضحك من جديد.

  منذ تلك الحادثة، الكثير ممّن عرفوا نور الدين الأجنف بدأوا يختلفون في تاريخ تركه للشّيوعيّة.

 

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا