اكتب القصص

ناجي ظاهر | من:العربيّة

نشيجٌ لَيليّ

Introduction by كمال الرياحي

يرى الفيلسوف والأنثروبولوجيّ الفرنسيّ ديفيد لو بروتون أنّنا، على غرار الأطفال، نعيش في عالم مثقل بالروائح، ولا نعيها بالضرورة، لكنّها تؤثر بدون شك على نبرة سلوكنا مع الآخرين. هكذا اقتحم لو بروتون ذلك العالم السّاحر الغامض ليفضح به الإنسان وخطابه المثقل  بالعنصرية والكراهية للآخر منذ فقدانه حياده الروائحيّ مع فترة الطفولة. إنّه العالم نفسه الذي فتح إحدى نوافذه الروائيّ المصري صنع الله ابراهيم عبر قصّته "تلك الرّائحة" التي تصدّت لها الرقابة المصرية وهو نفس ذلك العالم الذي فتح بابه باتريك زوسكيند عبر أنف القاتل جون باتيست غرونوي في روايته "العطر". هنا نافذة أخرى يفتحها الفلسطينيّ ناجي ظاهر ليطلّ منها وعبر "تلك الرائحة" على السؤال الأكثر عمقًا والتصاقًا بالكائن البشري، سؤال الموت، وهو الموضوع المسكوت عنه في ذات الوقت كما يؤكد بعض الفلاسفة، فنحن رغم كل نحيبنا الطويل لم نكتب الموت ولم نقله بعد.

 هنا قصة ذات نفس سورياليّ؛ قصة من الأدب السوداويّ لا تتوقف عن حَبك مفاجآتها على إيقاعات الموت حتى آخر كلمة.

 

اقرأ المزيد

أشمّ رائحةَ موتٍ. منذ الفلول الأولى لحلول الظلام، وأنا أشمّ رائحة الموت. فوقي رائحةٌ، تحتي رائحةٌ. أنىّ توجهت أشمّ الرائحة ذاتها. إنها رائحة عطنة. أشبه ما تكون باحتراق اللحم البشري. ها هي تغزو أنفي رويدًا رويدًا. أحاول أن أتهرب منها إلا أنها تلاحقني. أشيح وجهي يمينًا تجري ورائي، أشيحه يسارًا تهاجم أنفي اكثر. كلما تهربت منها هاجمتني أكثر.. من أين تأتي هذه الرائحة الكريهة؟ من سلّطها على أنفي؟ 
أصبحت الرائحة أمرًا لا يطاق. كان لا بد لي من أن الاحقها. منذ بداياتي الأولى اعتدت على مهاجمة الخوف بدل الهروب منه. فلماذا لا أهاجم تلك الرائحة. جريتُ في الشارع المعتم مسترشدًا بتلك الرائحة.. ركضت وركضت وركضت.. إلى أن باتت الرائحة أقرب من أنفي إليه. توقفتُ هناك. وقعت عيناي على بابٍ ابتدأ بالانفتاح ببطء شديد، لم تتمكن عيناي من التقاط أطرافه. النتيجة وحدها أكدت لي أن الباب في حالة انفتاح. دخلت هناك. هبت الرائحة بكلّ فداحتها حاولتُ أن أغلق أنفي بيدي إلا أنني لم أتمكن. يدي كانت عاجزة، لا تستجيب لطلبي. حرّكت رأسي يمينًا وشمالا في محاولة مني للهروب من تلك الرائحة. غير أنها ازدادت.
ها أنا ذا أستمع إلى فحيح الرائحة، أنها تهتف بي قائلة.. إلى أين تهرب مني.. مهما حاولت سألاحقك. أقول لها بلسان متجمّد في فمي، ما الذي فعلته لك حتى تلاحقينني بكل هذه الشراسة. أحرك عنقي محاولا التهرب منها، فتلاحقني بصورة أشدّ. صوتها ليس غريبا عني.. يشبه صوت زوجتي المريضة، على فراش الموت. أحاول أن أتأكد من أمر في نفسي. من أنت؟ أسال الصوت، فيرد: هل تود أن تعرفني حقا؟ اعتقدت منذ البداية أنك عرفتني. نعم عرفته، عرفت ذلك الصوت. لكن هل عرفته حقا؟ أحاول أن أعود إلى الماضي. يوم عثرت على كنز قضيت سحابة ليال في البحث عنه. يومها أتيت إلى زوجتي أحمل العتمة في روحي وضوء الكنز الشحيح في فمي. كنت أفكر كيف يمكنني أن أقنعها بأن تحبّني بعد نحو نصف قرن من الارتباط والكراهية الواضحة في كل حركة تقذف بها في وجهي. ألقيت الكنز تحت قدميها. قلت في نفسي إنها الآن ستحبّني. الآن أعطيتها ما أرادته وما نشدته منذ كانت طفلة. 
احتضنت زوجتي العجوز المسنة الكنزَ بيديها كأنما هي تريد أن تقول لي بدون أن تفوه بأية كلمة إن الكنز لم يعد لي وإنما أمسى ملكًا صافيًا لها. لم أعارضها. وددت ان اجعلها تحبني. لقد كرهتُ الكراهية. لم يعد بإمكاني أن أتحمل المزيد منها. قلت لها هو لك. هذا كله لك. انبهرت زوجتي بقولي. كانت تلك أول مرة وآخر مرة تنبهر بما قلته لها. سألتني هل يعلم أحد بهذا الكنز؟ هززت رأسي نافيًا. أردت أن أقول لها إنّه كلّه لنا أنت وأنا. أطلّ من عينيها غضب عمره أكثر من خمسين عامًا. فهمت من نظرتها أنها تود أن يكون الكنز كله لها. حاولت أن أُشعرها بأنه لها وأن كلّ ما أطلبه هو أن تحبني قليلا، إلا أنّها احتضنت الكنز، أكثر فأكثر. فهمت أنها وجدت أخيرًا ما يمكنه أن يفرحها ولو قليلا. ليكن، هي لا تريد أن تحبني حتى لو اعطيتها كنوز قارون، فأنا أعرف أن أموال العالم كلها لا تشتري قلب امرأة كارهة. إلا أنها محاولة.. كان لا بد لي من بذلها في ذلك الظلام البهيم. 
استدرت في الغرفة الملآى برائحة الموت. كان كل ما فيها معتمًا. عدتُ إلى زوجتي فرأيتها تحتضن الكنز بقوة رهيبة. مرت أيام وليال، وزوجتي تحتضن الكنز. انعزلت عن العالم. لم تعد تسأل لا عن غذاء ولا عن شراب. بات كلّ همها أن تحتضن محبوبها الكنز. شعرت أنها وجدت بديلا لكل ما حاولها. وأدركت متأخرًا أنني أنا من قدم لها هذا البديل. قلت في نفسي، ليكن. ها قد مضى نصف قرن من الكراهية. وفي المقابل.. من محاولة التقرب منها وإقناعها بأن تحبني، فلا بأس من متابعة المحاولة. 
خلال تجوالي بين الخفافيش وبنات آوى في الليالي المعتمة، كنت أنتهي دائمًا إلى وقفتي ذاتها قبالتها في الغرفة ذاتها. أما منظرها فإنه لم يتغير. انعزلت زوجتي عن العالم، وبات حلمي المحدد أن أعيدها إليه فلعلّها تحبني إذا ما تمكنت من إعادتها الى حياتها الطبيعية. بدون تفكير مليّ شرعت أقدم لها ما لذّ وطاب من ثمار الليل. كنت أكومها قبالتها علّها تتناول منها ما يقيتها ويقويها ويجعلها تواصل الحياة، فلعلها تصل إليّ ذات عتمة. سوى أنها لم تتناول منها شيئًا. كنت أعود اليها بالمزيد من الثمار وأكومها قبالتها، لعلّ عينها تأكل منه القليل القليل، إلا أنني كنت أُفاجأ كلّما دخلت عليها في غرفتها تحدق في كوم الطعام الكبير قبالتها دون أن تمد يدها اليه. تناولت إحدى الثمرات الكبيرة وقدمتها لها علها تشعر بي، إلا أنها اشاحت بوجهها. أخرجت لسانها مشمئزةً. نظرت إلى الثمرة بيدي. كانت تفاحة ضخمة. لفت نظري أنها متعفنة وأن الدود يتساقط منها. 
ابتدأت زوجتي في النحول. حتى أنني كدت لا أراها ولولا الكنز في حضنها ربما كان من الصعب علي أن أراها. بعد كل هذا النحول، ابتدأت ألاحظ أن المرض يهاجم زوجتي بشدة. كان لا بد من أن أوجهها الى الطبيب لكنّها أنها رفضت. شعرتُ أنها تخشى أن آخذ كنزها منها وأن استفرد به. وربما خطر في بالها أنني قد ابحث عن امرأة أخرى تحبني بعد كل ما فاضت علي به من كراهية امتد عمرها حتى شاخت وباخت. مع هذا حاولت أن أقنعها بأن تتوجه الى الطبيب لإجراء عملية فهمت انها خطيرة، إلا أنها أفضل من الذهاب إلى الموت بالقدم. فواصلت الرفض.
هكذا وجد كلّ منا، هي أولا وأنا ثانيا، مع أن الحقيقة مختلفة تماما، أنا أولا وهي ثانيًا، وجد نفسه في حيرة من أمره. أنا أريدها أن تجري العملية فربما أنقذت حياتها، وهي ترفض لئلا استولي على كنزها، الذي كان بالأمس كنزي. مضى الوقت يتقاذفني من ظلامٍ الى ظلام. أتعبني الانتظار على قارعة العتمة والضباب، فاستسلمت لوسنٍ خفيف. رأيت زوجتي تنهض على رجليها وترفع الكنز بين يديها وتهوي به بكل ما لديها من قوة ووهن على رأسي.. وهي تهتف بي ما مفاده أنني أريد أن أحملها على إجراء العملية ليخلو لي الجو وأستولي على الكنز وأنعم بالحياة السعيدة مع إحدى حوريات الجنة.

 بقيت تهوي بالكنز على راسي فتدفق منه الدم مثل نافورة ما لبثت أن تحولت إلى نوافير.. بعدها سكبت زوجتي علي مادة مشتعلة.. فانبعثت رائحة اللحم المحروق من جسدي منطلقة في الشوارع والظلمات. في هذه الاثناء خرجتُ من جسدي. ونظرت اليها: كانت ملقاة الى جانب جثتي.. صرخت هل ماتت زوجتي؟ وبقيت أصرخ وأنا أجري مشتعلا في الشوارع ذاتها.. ورائحة الموت تلاحقني.

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا