مشروع القصة القصيرة

search

عزيز جمال يحياوي | من:العربيّة

واحدٌ منها

Introduction by ريم غنايم

يواصلُ الأدب التونسيّ الراهن برهنة تميّز الأصوات الأدبيّة، شعرًا وقصةً وروايةً، ويثبتُ تميّزه في الساحة القصصية العربيّة اليوم. هذا التميّز يرتكزُ على قدرة خلاقة في توسيع الفضاء السرديّ والاعتماد على نَفس التجارب العالميّة والعربيّة في الكتابة. تظهر الكتابة هنا تعبيرًا عن هويّة سرديّة واضحة لها تميّزها وحضورها وانفتاحها على التجريب والريادة. في هذا النصّ، الذي يقدّمه لنا الكاتب الشاب الواعد عزيز يحياوي، الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، ثمّة حضورٌ كبيرُ لمكوّنات سرديّة تؤثث نصًا سرديًا متميّزًا. يبني الكاتب الشّاب عالم القصّة بسلطة السارد، يتحرّك في مدارات الشخصيّات التي لا نقيمُ معها علاقات حميميّة ولا مع اللغة القصصية القاتمة بمفرداتها والتي تبني هي نفسها عالمًا موازيًا يكثّف الإحساس بالبرود والبُعد والخَوف. هذا الأسلوب بحدّ ذاته يولّد الدلالات ويعمّق المعاني المتعددة والمفتوحة من وراء حكاية عمادها قصّ سوريالي مُحكَم البناء، يبتعد عن غواية الإنشاء وعن الأسلوب التوصيفيّ المترهّل.   

اقرأ المزيد

خرج الغراب “ج” من كهفه البلاستيكيّ الغارق في القاذورات. دلف إلى الشارع المعبّد بخطى تتعثر وأنفاس متكدّرة ومقتضبة. القرص المضيء كان يرتفع من فم الأرض و”ج” كان يمشي وسط النعيب الوحشيّ لأبناء جلدته.

على جانبيّ الطريق المؤدي إلى الحفرة حيث يعمل كان هناك الكثير من الغربان. غربان تتناسل كاشفة عوراتها لأشعّة القرص. غربان تتخاصم وتتقاتل وأخرى تدفن بعضها البعض في أجواء من الفرح وقرع الطبول.

أخذ مكانا بمشقّة في الطابور المكتظّ بالأجساد العفنة والعارية. كان يحاول أن يبتعد عن النهدين المكتنزين اللذين أزعجا ظهره، لكنه ما أن يبتعد قليلا حتّى يجد عضوه محتكّا بمؤخرة غراب آخر.

كان محشورا بين الأعواد السوداء المحترقة والمتسخة التي تنزلق بروتينيّة نحو منحدر الطريق.

على طول المسير الطويل تنبعث الأنّات الملسوعة والذكريات الشاحبة. تنبعث الأغاني المتكسرّة مطموسة الكلمات التي ترتعش برهبة على الشفاه الداكنة ولا تخرج.

وصلت القافلة السوداء إلى منجم الحبوب الغائر في بطن الأرض، صوت السيّد المؤنّب والحازم كان يجعل الخطوات أسرع. ينمي الرهبة والخوف من فقدان الوجبة المعتادة. نظر “ج” إلى عينيّ السيّد الحمراوين. ذُهل بلمعان ريشه والبذلة الأنيقة التي يلبسها. ذهل أيضا بالسمنة الغريبة التي هو عليها. إنّها المرة الأولى التي ينظر فيها إليه. استغرق النظر خلسة ثانيتين فقط ثمّ سرعان ما دفعته الأجساد كموجة عملاقة إلى موضع عمله. 

أخذ المعول وانهمك في العمل. أرضية المنجم زلقة وخاصّة قذرة. مشبّعة برائحة البول والدم والمنيّ. تشبّث بعمود الضوء المرتعش لكيلا يسقط ولكيلا يفقد عمله. 

قرص الضوء تراجع إلى فم الأرض ليأخذ بعض الراحة. اندفع الطابور من جديد بحماس مشتعل منتظرا الوجبة. 

وجد “ج” نفسه أمام مساعد السيّد. لقد نسي لوهلة أنّه ينتظر دوره. أيقظته تلك الابتسامة البلهاء التي تتكرّر كل يوم من فم المساعد حينما يعطي الوجبة المنشودةَ حبّةَ القمح. أمسك الحبّة في كفّه المتصلّبة وأراد قذفها على وجهه لكنّ الأصوات الصارخة الجائعة وراءه أربكته فحاد عن الفعلة الجريئة.

كان يمشي عائدًا إلى كهفه البلاستيكيّ. يقلّب نظره في المراجيح التي غدت مشانقَ في الأشجار وفي السماء الحمراء التي بللته بالكامل. 

دخل إلى الكهف المظلم المغبر. لم تكن السماء تبكي لوحدها. لقد كان يبكي لكنّه لم يحسّ بذلك خارجا. أدرك الأمر عندما دخل.

 أشعل الشمعة الوحيدة التي لديه وكما العادة أخذ الرسالة المخبّأة تحت الغطاء البلاستيكيّ محاولا أن يجد فيها شيئا جديدًا. ربّما.

” كن بخير يا جميل سأعود قريبا، لا ترَ العالم على حقيقته حاول أن تراه بعينينا طليقا ورشيقا كفراشة”

من مايا، حبيبتك اللعوب الآسرة

لقد حاول كثيرا بيد أنّه لم يستطع. انصهر مع الأصوات التي وراءه وأصبح واحدًا منها!

 

14

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا