the short story project

search

لطيفة لبصير | من:العربيّة

  يَدُ جَنَّة

Introduction by باسيليوس بواردي

تقيم الرغبة والشهوة علاقات متبادلة مع الأدب النسوي، واحدة تلد لتغذي الأخرى: يفتح الأدب لبطلات قصة "يد جنة" للكاتبة المغربيّة لطيفة لبصير مساحة مخصِبة تسمح بالإبداع واللعب وتجربة الهوية الذاتية، والتي تكوّن الرغبة والشهوة إحدى أبرز مركّباتها. وتبعا لذلك، قد تتوسع الرغبة والشهوة، الجنسية وغير الجنسية إلى شغف قوي بالحياة، يتضمن الرغبة في المعرفة والحرية والقدرة والحركة وبالطبع - الرغبة في الإبداع. يمكننا الإشارة إلى أربع وظائف أساسية في ما يتعلق بالأدب النسويّ عن الرغبة أو الشهوة؛ الأدب على أنه يمثل الرغبة الإيروتيكية، أو كوسيلة من أجل تحقيقها. الأدب كوسيلة لتحويل الرغبة إلى معرفة وقوة اجتماعية والتعبير عن قدرة المرأة في مجتمع قمعي؛ الأدب كتعبير عن الاستقلال والهوية الذاتية، وهي مساحة خاصة للمرأة التي تخضع معظم وقتها لاحتياجات ورغبات الآخرين؛ القراءة والكتابة كوسيلة للاتصال والتواصل الإنساني، وسيلة لتحقيق التوق إلى الحوار واللمس والحب. هذا ما نقرأه عند لطيفة لبصير، الرغبة والشهوة رافعتان لحياة مختلفة تخرج عن المفهوم ضمنا والبديهيات الخانقة نحو تمرّد قد يوحي بالفضيحة ولكنه يفضي بالأخير إلى قوة القبول. تكشف لبصير عن هشاشة المجتمع القامع أمام قوة الإصرار على تحقيق الذات، إذ تتساقط فحولته وتقليديته أمام عنفوان امرأة كجنة لم تتنازل عن توقها لحياة مختلفة ومخترقة لمفاهيم تعزّز الانغلاق. تعشق جنّة الدخول إلى عوالم السحر وتأخذ بيدها الأخريات ليتعلمن مزاولة الشهوة، مزاولة الحياة الحقيقية. لا تكتب لبصير بطريقة متحجرة أو تخطيطية أو يمكن التنبؤ بها. كل بطلة في نصها خيارٌ للتحليق نحو إمكانيات لا حصر لها، لهويات لا تخاف الليل ونبتة الصبّار. قصصها حية، تتنفس وتصارع، والشغف فيها رطب وخفّاق. تكتب لبصير كما تعرف المرأة أن تكتب: بحرارة وبقسوة، وأحيانًا بسخرية من مجتمع متلوّن يسكنه جنّ الشهوة بالستر ويلعنه بالعلن. 

اقرأ المزيد

أشجار التين الشوكي كما أعرفها قصيرة القامة دوما، على خلاف تلك التي توجد في القرية التي يعيش فيها جدي، فقد كانت باسقة، متطاولة في السماء، متكاثفة إلى حدود أنها تنبئ بسرّ يختفي دوما في تلافيفها. وما عمق  هذا الإحساس لدي، وجعلني أدرك أنها أشجار غير بريئة، هو رؤيتي في يوم ما لصديقتنا الجميلة البيضاء “جنة” وهي تعدو، محاولة التستر خلف أغصان هذه الأشجار وخلف أوراقها المنتفخة العريضة، وكأنها بطلة حكاية خرافية تفر من مملكة مرعبة.

كانت حبيبات العرق المتصبب من جبينها تزيد من حمرة وجنتيها، وحين أوشكت أن تصطدم بي، سرت في جسدي قشعريرة أشبه بالصعقة الغريبة، بدت لي جنة وكأنها ليست من نفس جنسي، مع أنني أعرفها جيدا وسبق لي أن رأيتها أكثر من مرة تستحم كما ولدتها أمها؛ فلها نهدان جموحان يشبهان نهدي بالتحديد. ولكن جنة كانت تختلف عني في الكثير من خبايا نفسها، فهي على خلاف أغلب فتيات القرية، كانت دائمة الذهول، وكأنها تعيش بيننا وتنظر بعينيها إلى عالم آخر لا نعرف عنه أي شيء. وما يزيد من غرابتها لون عينيها اللوزيتين اللتين يطغى عليهما اللون الأزرق السماوي الذي جعلها حديث القرية كلها. ورغم ما كان يقال عنها وعن عينيها، فإنني لم أفهم شيئا عن هذا الذهول الذي يتصاعد منهما، إلا حين كبرت وأصبحت أفهم إشارات الكبار التي تتحدث عن الجن الذين سكنوا جنة والذين  سجنوها في صندوق لا يُرى اسمه الرغبة.

كانت جنة صديقتي في أيام العطل الصيفية؛ أنا القادمة من زحام المدن، كنت شغوفة جدا بها؛ الفتاة الجميلة، الشقراء، زرقاء العينين، مثل السماء الصافية في الأيام الحارقة، كانت فتاة لا تخاف، وكانت جدتي تحذرنا منها كثيرا وتسرد كلمات لم أكن أفهم معناها بلهجتها البدوية التي لم نألفها: “هذيك زفانية”  1. لم يكن تحذير جدتي ذا أثر علي، فقد كنت أجد متعة في مجالستها والحديث معها، ذلك أن الضوء المنبثق من عينيها كان يشعرني بمغادرة هذا العالم والانفصال عن نفسي وتحولي إلى مجرد طيف خفيف. لذلك كثيرا ما كنت أتلمس يدها بحنان كي أنتقل إلى هذه العوالم التي أتصورها أشبه بالجنة. لم تكن جدتي تقبل رفقتي لها، لذلك كانت تعيدني إلى البيت كلما رأتني أركض معها في العرصات الشاسعة ونحن ننزع الثياب عن الفزاعات العملاقة الرابضة وسط العنب لإفزاع الطيور، كنا دوما نعبث بالفزاعات العارية، وكان لدي الوهم أننا حين سننزع الثياب سنجد أجسادا حقيقية، لكننا كنا لا نعثر سوى على مجرد قصب معقود بحبال صلبة.

كنت معتادة أن أذهب في أيام الدراسة إلى المدينة، لكن جنة كانت بالنسبة إلي ذلك الوجه الحارق الذي يربطني بهواجس القرية ولعناتها، وكأن بها نوعا من المس المرعب الذي يغذي خيالي الراغب في تصديق  الحكايات التي كانت ترويها جدتي بعد أن يحل الظلام، لكنني حين عدت لآخر مرة أحسست بأن جنة قد تغيرت طبيعتها، وعلت التعاسة وجهها؛  كانت قد انتفخت كثيرا و صارت سمينة أكثر من المعتاد، واختفت  يدها التي كانت تدخلني لعوالم السحر. وفي صباح ثقيل استيقظنا على صراخ حاد، وهرعنا إلى حيث تشير الأصابع، ونظرت مندهشة كما الجميع إلى طفل صغير متكور نائم تحت كومة من القش، كانت حمرة وجنتيه أليفة لدي تماما، وكان هناك جمهور غفير من الأصوات يغمغمون: إنه ابن جنة، شعره  أشقر مثل لون شعرها،  وعيناه!… أنظروا إلى عينيه.

كان الطفل ملاكا صغيرا، عيناه زرقاوان يحيطهما صفاء آسر، وأصابعه الوردية تقبض على شيء ما، وكأنه يمسك بيد تحميه، وكل من يراه يقع في حبه، ومع ذلك الكل كان يلعن جنة في السر والجهر، ويتمنون لو ألقوا بها في جب عميق. أما بالنسبة إلي، فإن مشهد الطفل رسخ في ذاكرتي بأن أطفال الحب هم أكثر جمالا من الآخرين، و لا أدري إن كان الخوف المعجون بالرغبة هو من يمنحهم ذلك البهاء الذي يغذي الأسطورة .

كانت جدتي بين الحضور المتجمهرين، وما إن رأتنا حتى أخذت تحثنا على العودة للبيت، وأومأت لنا بنظرتها الفاتكة، نحن معشر بناتها وبنات بناتها وهي تضغط على مخارج الحروف بقسوة: ألم أقل لكن إنها “زفانية”؟

لكنني لشدة حبي لجنة تسللت ولم أعر كلام جدتي أي اهتمام، وانتظرت طويلا علني أرى جنة مرة أخرى، لكنها اختفت، فقد بدأ الوعيد والشتائم والتهديد يلاحقها في كل المجالس، بل بدأ بعض من يكرهونها، يطاردونها لمعاقبتها وجعلها عبرة للأخريات.

لم يتمكن أحد من رؤيتها ولا الإمساك بها. شاع في القرية أنها امتطت  جوادا أحمر اللون، وأن الجواد حفر الأرض وغاص بها في الأعماق وكأنها فارسة من زمن قديم ، كان الكثير من شباب القرية يبحثون عنها، لكنهم لم يعثروا لها على أثر، وعادوا متعبين،  وكأنهم نفضوا أيديهم من لعنتها. ومن الغريب جدا أن عائلتها احتفظت  بالطفل الملعون والمحبوب معا. وبعد أيام قلائل مات والدها بسبب إحساسه بالعار  ولمعاناته من مرض القلب الذي كان يفرض عليه قلة الحركة ولزوم البيت.

مرت سنوات لم ألتق فيها جنة، لكن اسمها لم ينمح من أحاديث القرية وهواجسها، فقد أكد الكثيرون بأنها تظهر بملابس بيضاء كلما جن الليل، وهي تصدر صوتا كسجع الحمام، تحت أشجار التين الشوكي العالية. وكثيرا ما كانت تنتابني الرغبة في البحث عنها ليلا، لكنني كنت أشعر بالخوف، فقد تسامقت الأشجار بشكل غريب إلى أن أصبحت متعانقة في السماء، وكأنها رؤوس شياطين تعانق بعضها البعض بحنو بالغ.

لا أزال لهذا اليوم أذكر يدها التي كنت أمسك بها كلما التقيتها، فحين كبرت كنت أراها في عيون كل الفتيات اللواتي تشدهن عيونها، وأحسست بنمو أوراق صبار كثيرة وعريضة بداخلي تشبه أوراق الأشجار التي تملأ القرية وتجاور منزل جدي، فكنت ألعن في قرارة نفسي كل أشجار الصبار التي يسميها الآخرون باسم شجرة الشيطان؛ واستعدت وجه جنة وهي تأكل فاكهتها المغطاة بالشوك دون نزع  قشرتها.

كانت فكرة الطرد من الجنة تراودني كل حين، وكأني بكل الأصوات التي كانت تصرخ تستعيد ثأرا قديما للخلق الذي عاد إلى الأرض، وكأن السعادة كامنة في نزع الجنين من الرحم وإخفاء آثار ما جنته الأم. وكثيرا ما كانت تنتابني كوابيس غريبة أستيقظ منها وأنا أصرخ بعد أن أنزع كل الأرحام، وكأنني بذلك أعدم الولادة، ثم أسأل نفسي:

  • ماذا لو أن كل النساء قررن نزع أرحامهن، هل سيتوقف الخلق؟

حين كبر الملاك الصغير في القرية بدأت تلاحقه الأعين، فالكل يناديه بابن جنة، لكنها لم تلاحق والده الذي تزوج امرأة أخرى بصمت، وأنجب أبناء وثق أسماءهم وتواريخ ميلادهم، ولم تشر إليه الأصابع، ولم يطرد من الجنة، أتخيل حجم الملائكة الذين يرتعون في الأرض بدون صكوك اعتراف، وأتصور انتقامهم الشديد من جديد من الرحم الذي أنجبهم في صور فتيات جميلات يشبهن جنة، وأحاول لو استطعت أن أعجن العالم من جديد كي لا يموت بعد أن يتلذذ بأكل التين.

كنت دوما أستعيد الطرد من الجنة وكأنه يتكرر في ذهني وأرى الأستاذ يقف قبالتي بصوته القوي وهو يؤكد بأن الخطيئة جعلت الله يطرد آدم وحواء من الجنة، كنت أرى حواء وقد أطرقت خجلا وهي تغادر الجنة وتبكي، وأرى الخلق منذ تلك اللحظة وهم يخطئون ويصرخون ويقتلون ويعشقون ويرغبون ويموتون ويتعلمون وينامون ويستيقظون، ثم أسأل الأستاذ:

– لماذا لم يطردوا عشيق جنة من القرية؟ لقد أكلا معا تلك الفاكهة الملعونة ؟ !

لم تختف جنة تماما، فلشدة ما نسجت حولها من حكايات خارقة، رأيتها في إحدى الليالي الدامسة،  تهبط واقفة فوق غيمة كبيرة وقد اكتملت أنوثتها الشامخة، وكانت تتناسل من يدها نساء كثيرات يشبهنها وهن يتساقطن على الأرض، كان المشهد مخيفا وهي تنظر نظرات حانية إلى الأسفل، وكأنها كانت تروي الأرض من الظمأ، كنت ألتف بملابسي بقوة وصوتي لا يسعفني على الصراخ…

وروت النساء في مجامعهن الخاصة ووشوشاتهن الهامسة بأن عشيق جنة أدخل إلى “سيدي بولكوان” 2 لاختناقه الدائم ليلا بسبب يد جنة التي تلاحقه في كل مكان، وسيظل هناك ليحميه الولي الصالح من الموت المحقق.

لا أدري ما الذي جعل جدتي تتعاطف للمرة الأولى مع حكايات جنة، فقد أسرت لنا أنها ربما قد  ظلمت وأنها قتلت وبأن روحها تسكن القرية، لذلك ترى بالليل. أما أنا فكنت أشعر بيد جنة رطبة ناعمة تلمس  كل الأمكنة التي أحل بها، وكأنها قطعة من القمر تنير كل ما تلمسه.

مر زمن طويل حصلت بعدها على دكتوراه في الأنتربولوجيا، وصرت أدخل بيوتات نائية لأعرف رأي عامة الناس في هذا الموضوع أو ذاك، كما أبحث في العادات والمعتقدات وكل ما تخزنه الثقافات من أسرار، ولكن فهم الإنسان بدا لي صعبا جدا، فكلما أنرت زاوية، تعتمت زوايا أخرى. لكنني على الأقل اكتسبت جرأة ولم أعد أثق بما يقال في القرية من تعليقات ساذجة عن جنة. فلغيابها وحضورها القوي تفسير آخر، ومقاومة يدها للجميع لم تعد تؤرقني كما في السابق.

كنت أعود للقرية بين الفينة والأخرى، وفي يوم مشهود ظل الجميع يخبر بعضهم البعض بأن جنة ستعود اليوم للقرية، وهي الآن في مدخلها.  لم أصدق الخبر للوهلة الأولى، لكنني التحقت بجماعة من أهل القرية، وكأنني مدفوعة بيد لا ترى، ومشيت معهم إلى حيث اصطف حشد كبير على جنبات الطريق.

بدت جنة وكأنها أميرة، خرجت للتو من حكايات ألف ليلة وليلة، وحين اقتربت من الحشد البشري الهائل، ارتمت عليها النساء يقبلنها وأخذ الرجال بيدها يتحسسونها وكأنهم يتبركون بها. مظهر جنة تغير؛ فهي ما زالت تحافظ على أنوثتها اللافتة التي جللتها علامات الثراء التي لم تخطئها أعين أهل القرية.

ومن بين الهمهمات والابتسامات علت زغاريد النساء والتي سرعان ما تحولت إلى ريح ورعد وبرق… ومطر بلل كل أهل القرية الذين كانوا يقلبون أعينهم في السماء… وينظرون إلى جنة… وأمها تعانقها باكية وهي تصرخ: إنها ابنتي… إنها جنة.


 

6
  1. يرد فعل زفن باللغة العربية بمعنى رقص والزفانة بمعنى الناس الذين يرقصون، لكن الزفانية هنا بعد أن تحرف معناها في المنظور الشعبي أصبحت تعني المومس وهو استعمال شائع في منطقة دكالة .
  2. سيدي بولكوان موجود في منطقة دكالة، وهو سيد مدفون هناك له كرامات بحكم كلام أهل القرية، يزوره الناس من أجل فك ضيق، يسقونه بالحليب ويقدمون له التمر والزبيب واللوز، تحيط به أشجار السدرة التي تنتج النبق، وتزوره النساء أيضا من أجل الانجاب والزواج.
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا