Write Stories

شهاب عبدالله

بحكم العادة

 

 

بحكم العادة، كان لزاما على الشرطي كمال الزيناوي أن يغادر منزله الكائن بتقاطع معهد الحسين بوزيان مرورا من أمام مكتب البريد، ثمّ شقّ الطريق و المشي لمسافة ثلاث مائة متر كيْ يصل لأقرب محطة حافلات.
عندما كان يمرّ من أمام المحلات و الدكاكين، حيث يجتمع فتية و فتيات، هم تلاميذ و طلبة لم يتجاوزوا سنّ السابعة عشرة، كان في ما مضى لا يجد حرجا في مراقبة تصرفاتهم، أو حتى التحديق في عيونهم مباشرة، و قد لا يجد حرجا في أحايين كثيرة من إزاحة أيّ أحد من المارة، قد يصادف أن يعترض طريقه، إما من خلال إبعاده بيده أو يحدجه بنظرات قاسية متوعدة تحذر من إطالة النظر إليه أو حتى محاولة إبداء اعتراض، و قد يستشف من طريقة مشية أحدهم أو التفافة غير متعمدة شبح رغبة في التمرد أو مواجهته و تحديه، و قد يكلّف ذلك الظن أحيانا، ذلك الشخص سماع عبارات مهددة أو توبيخا قاسيا. لكنه منذ أصدرت الحكومة تلك التعليمات الجديدة، بمناسبة ولوج الإدارة و أسلاك الأمن نهجا جديدا في المعاملة مع المواطن، و من أجل بناء علاقة متطورة و فعالة معه قوامها الاحترام المتبادل، لم يستطع كمال التأقلم مع هذا التحديث في السلوك.
فبحكم العادة، لن يكون مروره في الشارع عاديا على الاطلاق، فخلوّ أيامه من فرض سطوته و إبراز سلطته قد أصابه بنوع من الإحباط. فصار وفق هذا الواقع الجديد يشعر بشعور لم يفهمه و لم يقدر على استيعابه. تلك الحالة التي بات يشعر أنه ليس مؤهلا للتأقلم فيها ألقت بظلالها على مستويات عدة من حياته. فلم يعد يمرّ كما كان يفعل في ما مضى من الأيام. لاحظ أن الجميع يطيلون النظر إليه، بل و يرمقونه بنظراتهم دون خشية أو استحياء. المسافة التي كان يقطعها في دقائق منزورة بدت له منذ الآن طويلة، شاقة و مرهقة.
صاحب محل الثياب الجاهزة الذي كان يحييه كل يوم عندما يمرّ من أمامه، لاحظ أن تحيته مختلفة هذه المرة. هناك نبرة في صوته بالكاد تبين. يتطلب الأمر شخصا خبيرا ذي اطلاع و فراسة كي يمسك بها و يتتبع مصدرها و يفك رموزها ، حتى لا يظن ذلك المحتال أن حيلته قد انطلت عليه، أو أنه بطريقة ما قد تمكن من الضحك عليه و ازدرائه. لكن أنى لأيّ كان السخرية منه، فهو صاحب دهاء و حنكة، و لقد شهد صنوفا من البشر لا قدرة لأي شخص آخر لقاؤهم أو حتى التعامل معهم.
في قرارة نفسه تمنى كمال لو أنّ ذلك القانون لم يسر مفعوله بعد. أراد لو يعود به الزمن بضعة أيام، كي يمسك ذلك البائع المتعجرف من رقبته و يجره جرا ليجعله عبرة للآخرين، لكنه ضرب يدا بأخرى و نكّس رأسه و مضى مبتعدا و جميع ما في الدنيا من غضب و غيض ينهشان كبده.
بحكم العادة، حينما استقل الحافلة، توجه مباشرة لأقرب كرسي شاغر، لكنه توقف على إثر تلك الجملة الشهيرة التي لم تكن يوما موجّهة له. قال له محصّل التذاكر بصوت خال من أي لؤم، لكنه أيضا خال من أي شبهة تعاطف :
” التذكرة يا وِلْدي.”
” زميل.” قال كمال
” بِكْري هذاكا بكري. نحن في عهد جديد.” قال محصّل التذاكر متهكما
تمنى كمال لو أنه لم يقل تلك الكلمة. تذكر أنها في ما مضى كان وقعها يتخطى وقع كلمة سحرية، فهي تتيح الأولوية في وسائل النقل، و تجنب قائلها التفتيش في المعابر أو خلال الحملات، و هي تدفع عن المرء أي محاولة تهجم أو ابتزاز من أي كان. لكن، في هذا الزمن لم يعد الأمر كذلك. أصيب بالإحباط و خيبة الأمل، لأنه للمرة الأولى في حياته مضطر لإدخال يده في جيبه من أجل اقتناء تذكرة ركوب سخيفة.
حينما دفع ثمنها و التفت، لاحظ أنّ جميع الركاب ينظرون إليه. كانوا هم أنفسهم غير مصدقين. أحدهم كان شجاعا جدا و مغامرا، وثّق تلك اللحظة بكاميرا هاتفه المحمول. أراد كمال أن يمنعه من فعل ذلك، لكنه لم يستطع. شعر بأنه عاجز، و جميع قدراته و مواهبه في أخذ ما يريد، تلك القدرة العجيبة التي نماها و طوّعها عبر سنوات طويلة من الاعتداد بالنفس و الخيلاء.
لم يشح الركاب بنظراتهم بعيدا. تسمروا غير مبالين. أراد لو يختفي فجأة بكل بساطة. وضع يده الكبيرة أمام عينيه محاولا مداراتهما عن تلك الأنفس الشامتة المحدقة. اختنق و ارتفعت درجة حرارته، تحسس مسدسه، راودته فكرة خطيرة، لكنه لم يعد كما كان. لم يجد الجرأة حينما استنجد بها. تساءل في نفسه حائرا : لماذا يكرهني الجميع ؟ لا ، ليس هذا السؤال اللائق، لماذا صرت أخشى الجميع ؟
بالكاد تفطن أنّ الحافلة توقفت عند آخر محطة حيث يجب عليه أن ينزل. حينما ابتعدت الحافلة، مشى بضع خطوات فبلغ مكان عمله. بالداخل، جلس خلف مكتبه، تحسس مسدسه، عندما أقبل أول شخص لانجاز معاملة مستعجلة، شعر فجأة أنه يمكنه تأخيره قدر ما يشاء. أخيرا، تلك القدرة و السلطة صُبت بداخله و عاد الحزم و الخيلاء إليه.
بحكم العادة، وجد ذلك الشخص نفسه يتصبب عرقا، و هو يقف أمام كمال، الذي راح يزمجر و يتوعد، بحكم العادة.

Liked the story? Comment below.

avatar