the short story project

search

taoufik ben hnich

وكان ليل وكان نهار…

 

كنّا في ميناء حيفا معتكفين في قعر السّفينة نشرب النبيذ ونسكر منتظرين هدوء العاصفة لنتمكّن من مواصلة رحلتنا نحو الجنوب. ولم يكن ينغّص علينا راحتنا غير هذه الرياح التي لا تكفّ عن نطح سفينتنا برصيف الميناء.

وفي تلك الأثناء …

عندما قبل التاريخ بافتراض الممكن من غير المنجز وتنازل عن كبرياء الاستبداد بالأمر, طلب أن يرافقنا دون أن يتدخّل. وفي سننا المستحدث افترضنا أن الخلق يكون من الورق والمداد وليس من الطين والماء. وفي الوقت جيء بالأوراق البيضاء وبالأقلام يسيل منها الحبر كما تسيل الشهوة على الجسد الغضّ الطريّ. ومن فرط تبرّج المداد وحياء الورق كانت الحيوات المغتلمة قد اجتمعت حول نوايا الخطّ والخلق وعند بداية النّقطة الأولى التي لم تكن لها علاقة بالشجرة والتفّاحة والشّيطان.

وحينما اترعت الكؤوس …

في البدء رسمنا أشجار الغابة وعشبها وحزونها ووهادها وجعلنا فيها مسالك للعابرين. وحفرنا فيها الآبار وفجّرنا فيه العيون ولوّنا السّماء بألوان النهار والمساء. وصوّرنا في وسط السماء شمسا. وقدّرنا بروجها ورسمنا في مقلتيها قمرا يكبر شكله ويصغر من هلال إلى بدر والعكس. فكان نهار وكان ليل نامت فيه الأقلام على القراطيس فحبل البياض بالوجود كلّه دون استثناء. وثقل الحمل فأوهن.

وفي اليوم الثاني أشرقت الشمس التي رسمناها. ومرّت من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق كأنّها تريد أن تستعرض جاهزيتها. وأطلّ الهلال أبيض في سماء بيضاء. فكان خجولا لذلك لم يدم مكوثه طويلا. واختفى يفرك أصابعه ويبتسم. وهبت النسمات على الأشجار في الغابة فتمايلت. وتراقصت ولكنها عبّرت عن رغبتها في استقبال شآبيب المطر والعصافير وحتى حبّات البرد. فتناولنا الأقلام وجعلنا نرسم السحب في السماء ونخزناها بالبرق وزعق البرق في آذانها, فانتفضت فكان مطر وكان برد وكانت نشوة تتبرّج كالزهور تمزّق حجب أكمامها.

وبالأقلام استخرجنا من أرحام الأوراق البيضاء المغرية حيوانات كثيرةً وحشرات كثيرة في حجم البراغيث وأكبر وفي حجم البعوض وأكبر وأصغر, وديناصورات حبسناها عن الحركة وجعلناها في أقفاص مرسومة بإحكام, وعرضناها لخدمة السّياحة التي سيكون لها شأن عظيم للنّازلين من الجنان.  وبالأقلام استخرجنا ثعالب ودجاجا وقططا وفئران وعقابا كاسرا وطيرا ضعيفا وذئابا وحملانا وفي عنق كلّ ذئب كتبنا ديّة لأهل نرسيس إذا ما سوّلت أنفس الذّئاب للذئاب الغدر بنرسيس الوسيم.

وشربنا… وأكلنا…

ولم نترك شيئا كان بالقوّة إلاّ نفخنا فيه روح الفعل. وتراكمت المخلوقات فوق بعضها وتضايقت. وتصايحت. ونزا بعضها على بعض. وأوشكت أن تنفلت أسرار الحياة من أيدينا. وكان لا بدّ لنا من ممحاة… لا بدّ لنا من ممحاة…”امح كثيرا من هذه الأعشاب. حوّل هذه الأشجار إلى تلك الربى. تدبّر أمر معاش هذا العدد الكثير من الذّئاب وهذه الأسود والنمور وبنات آوى . امح كثيرا من الفطريات التي نتجت عن تزاوج الموجودات العشوائيّ. وصوّر بدلها عيونا جارية…

وفي اليوم الثاني استوى الوجود على قدميه. كان كونا على صورة المذكّر الفرد الذي لا يقبل القسمة ولا التثنية. وكان على كلّ الحياة أن تركع عند قدميّ هذا الممكن العملاق. فركعت الرسوم كلها دون أن تؤذي الورق ودون أن تُسيل حبرا إلاّ الذئب الذي تولّى يعوي مستثيرا العاصفة التي لم تهبّ هبتها الأولى بعد. وأمامنا جميعا مزّق حروف نرسيس الوسيم وجرشها بأضراسه. وابتلعها بصعوبة.

وعدنا نستفرغ الدّنان التي كنا نزعم أنّها تجارتنا ورؤس أموالنا…

قلنا: “ليتوقف الرّسم حتّى نستخرج الفتى من بطن الذّئب فالعالم لا يستوي بلا فتنة. والماء في الغدران يموت إن هو لم لم تنعكس عليه صورة الجمال.” وتوقف الرسم واتكأت الأقلام بعيدا من الأوراق تستعرض ما سيقوله ,في مستقبل الدّهر, رجال منهم قيس بن الملوّح وجميل بن معمر وابن عربي. ولو لا جميل القوافي وتواقيع الزحافات والعلل لجفّ المداد وتيبّس. ولكن تصحرت ,لتوقف الكلمة, كلاهاري واشتعلت حرائق في أستراليا وماتت مئات الملايين من الحيوان وأعلن الرئيس الأمريكي مبادرة صفقة القرن. ونرسيس؟ في بطن الذئب وقميصه المضرّج بالدّماء حملته الرّيح إلى النقب. وحينما توقفت الأقلام عن الرسم, ثقل الكون فتعلق القميصُ بالصبّار منتظرا الإدلاء بشهادته.ىلا تحفّظ.

في اليوم الثالث راودنا الشمس بأقلامنا الملوّنة التي انتصبت كالمدافع. وما إن تبرّجت لنا متوهّجة حتّى تناطحت الرغبات داخل الأقلام المتوثّبة للخلق. كنت أريد أن أجعل السيّارة يتّجهون من مصر إلى صور وهم يطلبون أن يبنوا قدسا في كلّ صحراء يمكن أن تكون مجالا يهدد المسافرين بالتّيه … كانوا يأملون أن تتقي مزالق الزّيت وإغراء نعومة الحرير. وفي اليوم الثّالث رسمنا الخرائط بحدود سايكس وبيكو.  فامحى بذلك ذكر الهكسوس من كلّ الكتب المسطورة والمنظورة. وطارت الحروف في الفضاء بعد أن مزّقت حبالها السُّريّة بعنف الفناء. وتحول الحديث عن إخصابهم أرض مصر بالدّم وهما لا يلتفت إليه المدوّنون ولا تقوم من أجله رغبات الأقلام في استقصاء أعماق الممكن بحثا عن لذّة الكون.

في ذلك اليوم الثّالث بدأت الدّنان تقفر. وتعلّقت بعض الأقداح البقية بالقعر والجدران حتى تعسّر علينا استخراجها. فكتبنا على بياض الورق الفتّان أنّنا نشتهي خمرا ومدادا وإخصابا. ولعبت الرغبات بعقول التجار في السّفينة. وتعلقوا بالأشرعة وتضرعوا لإله البحر أن يفرّج عليهم الغمّ ويريحهم من ملوحة لم تعد تشكر.

وكان التّاريخ نبيلا وكريما فجرت في الأوعية المرسومة أطياف ألوان مختلفة للحبر. فطفا السّكر على سطح الكؤوس والأقداح. وشربنا الكلمات ثمّ كتبنا الكلمات وقطفنا الأمنيات. وواصلنا نستقصى أثر الرعاة ينسلون من سومر البعيدة حيث الطين والماء والصلصال من حمإ مسنون. كانوا يكتبون على الرّقوق مصائر تجّار كانوا يسبحون في الزّيت على الدّوام. وكنت أحبّ أن أغيّر اسم يعقوب وكانوا مصرّين على أن يجعلوه أبا جدّهم.

 

في اليوم الرّبع كنّا على الماء… ولا جودّي في الأفق.

أرسل كبيرنا الذي استبدّ به السّكر عصفورا من قفص قديم مصنوع في القدس. فطار ناحية الشّمس بسرعة الضّوء الذي لم يكن قد قاس أحد سرعته في تلك الأيّام. وقبل أن تحرقه الشّمس , كرّ عائدا إلى سفينتنا, وفي منقاره قبس من نارها.

في ذلك اليوم الرّابع, اجتمع لنا الماء والنار ورمتنا طيور من صحراء العرب بطين من مناقيرها, وكان ذلك على وجه الخطإ. وصفرت لنا الدّنان ريحها الكحولية. فقمنا إلى أقلامنا نبني الحضارة ونستزيد من المخلوقات التي ستؤنسنا في وحشة هذا الكون الخالي من كلّ حياة. فرقص على صفحاتنا الكركذنّ والفيل وحوت العنبر كما وسوست لنا البكتيريا بألوان من المعجزات. فظللنا على الماء يحيينا الكون فنردّ عليه بألوان الرسوم.

وفي أقصى الوعي, وفي أقصى الإحساس بالتّعب من متع الحضارة, زلّت أقدام الأقلام, ورسمت على شهوة الورق الأبيض كائنات لا عهد لنا بشراستها. لقد سمّتها الأقلام وباء أو طاعونا أو شيئا قريبا من هذا.

أطلقنا عصافير أخرى لتبحث لنا عن مرفإ آخر غير حيفا التي سكنها الطّاعون. ولكنّ العصافير كانت تذهب ولا تعود. ولذلك ألقينا بالقفاص في الفضاء السحيق. وعدنا إلى أوراقنا البيضاء نساعدها على استعادة عذريّة لا تجدها الطّيور التي أُطلقت من السفينة.

وغربت شمس وأشرقت .وكان اليوم الخامس. وجاءت الملائكة وبعض من الجنّ يسألون:” واليوم ماذ نفعل؟” وأرجعتهم الأقلام خائبين (الزموا بيوتكم).

وغربت شمس ذلك اليوم. وأشرقت شمس اليوم السّادس. وأعاد الملائكة والجنّ والطيبون من الأولياء السؤال… ولكنّ الشمس التي يئست من عودة العصافير إلى السّفينة الرّاسية في ميناء حيفا, سارعت بالغروب والارتماء في لجة العدم.

  وفي النّهاية. في اليوم السّابع, لم يفكّر أحد في غسل يديه من حبر الخلق والرّاحة. بل اقتسمنا الأقلام التي غدت فارغة لا رغبة تسكنها.  وذهب كلّ بقلمه يخطّ به أوهامه على رمل عالج ويرسم طريق أنابيب النّفط المستخرج من الرّبع الخالي.

وكان نرسيس المفتون بذاته يتبعنا مقتفيا أثر الحبر في خطوطنا ودوائرنا. وكان يدفع بالنّقاط أمامنا كما يُدفع ببراميل البترول نحو موانئ الخليج.

 

 

 

 

0
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments