the short story project

search

د. زهرة خدرج

هَلْ بَلَّلْتَ فِرَاشَك مِثْلِي فِي طُفُولَتِك؟؟

 

أقسم لكم أنه كان خطأ أَرتكبه رغماً عني دون أن يكون لي أي قدرة على التخلص منه، ولم أقصد في أي مرة أن أَعبر طفولتي المبكرة وأغادر صباي أيضاً وأنا أُبلل فراشي، لا تكاد تفوتني ليلة.. فتحت عيني على الدنيا لأجد نفسي محاصرة من جميع الجهات ببلاء لا سيطرة لي عليه، أُنعت بسببه بنعوت طالما آذت نفسي وأوجعتني (لا شك وأنكم جميعاً تعرفونها جيداً، إما لأنكم قد تعرضتم لها في طفولتكم مثلي، أو أنكم سمعتم طفلاً حولكم يوصم بها). على كل حال، بعض الأحداث لا يمكنها أن تنمحي من ذاكرة الواحد منِّا، حتى البسيطة منها، فكيف بطفلة تطاردها لعنة التبول اللاإرادي مذ شرع إدراكها يوثق الأحداث؟

في الثلث الأخير من الليل كنت أستيقظ بشعور مزعج يسيطر عليَّ، بلل يُغْرقني ويبثُّ رائحة كريهة أبغضها من ملابسي وأغطيتي، أنهض مسرعة إلى أمي أوقظها كي تساعدني وتدفِّئ قلبي المرتجف أكثر من جسدي المبلل. وتتكرر الحكاية كل ليلة.

في البداية تعاملت معي أمي بصبر وتشجيع، إلا أنها أخذت تتقهقر، وأصبحتُ الجاني وأضحتْ الجلاد.. يا ليتها استمرت في الإصغاء إلى وجيب قلبها الحنون ونفَّذت ما يمليه عليها من عواطف دافئة ودفقات حبِّ حنون، لمضى الأمر بسلام ولم يدفعني لأن أشبَّ وفي قلبي جرح غائر وندوب لا أظنُّها تزول ما حييت.

ولأنني أكبر أخواتي، ولأن جدَّتي تشاطرني غرفة النوم ذاتها، كان كل شيء يخصني تحديداً، مفضوحٌ مكشوفٌ للملأ. فما إن أهبُّ من فراشي بعد أن أشعر بالبلل حتى تصحو جدتي أيضاً التي كانت سريعة الاستيقاظ مثل العصافير، فتشتمني وتتهمني بالكسل، وتلومني أنني أكثرت من شرب السوائل، حتى وإن لم أتناول قطرة منها منذ أصيل اليوم الفائت، وتقرِّعني إذ لم أستيقظ أبكر بقليل لأفرغ مثانتي في المكان المخصص لذلك.

وتطور الأمر تحت تأثير نصائح جدتي وتوجيهات الجارات التي لا تنتهي لأمي، ليصل إلى العقاب الجسدي والنفسي، فما بين قسوة وتعنيف بعد كل بلل، وحرمان من الملابس والأغطية الجميلة الناعمة أسوة بأخواتي، وحتى من مصروف المدرسة أيضاً، ومنع من الخروج من المنزل ومن اللعب، عدا عن طرح ومناقشة مشكلتي أمام أخواتي وأقاربي وصديقاتي، وطلب المشورة من كل مَنْ يدخل بيتنا… كانت مشكلتي تتفاقم، دون أن يفكر أحدٌ في عرضي على طبيب.

أصبحت أنظر لنفسي باحتقار لا يوصف، وأفتقد كل أشكال الثقة بالنفس، وشرعت أُتأتئ في الكلام، وأتعثر خلال السير.. أَظلَمت روحي، وغدوت لا أبصر إلا الجانب المعتم من الحياة.. وانطويت على ذاتي، وزهدت بكل ما في الدنيا ومن فيها، وانكببت على كتبي المدرسية أحفظها مثل اسمي وأدرسها وأتفوق في اختباراتها، وأقرأ كل ما يقع تحت يدي بنهم لا يوصف.

كبرت، وأنا على الحال ذاته، ليالي كثيرة أغفو بعد أن يشتدَّ دجاها وقد بللت دموعي الوسادة، وجلدت نفسي بقسوة حتى أدميتها وتركتها منهكة تنضح ألماً، لا رغبة لديها بالاستمرار في هذه الحياة البغيضة.

كنت أسمع جدتي تؤكد بأنه في ليلة 27 رمضان تُستجاب الدعوات، لذا عكفت في تلك الليلة على الدعاء، كنت آنذاك في الرابعة عشرة من عمري.. دعوت ودعوت، ثم جلست أترقب أن تتحقق دعواتي التي لم تُستجاب، وسنوات عدة مضت فلم ألمح الموت يمر بي ليلبي أغلى أمانيَّ ويريحني من هذا العذاب.

تفوقت في الثانوية العامة، وبقيت فاشلة راسبة في اختبار التبول اللاإرادي، ورغم كُرهي لي، اتجهت لدراسة دراسة النفس البشرية..

خرجت من محيط البيت الذي لا قِبَل له على احتمالي، إلى محيط كبير يعاملني بحياد ولا يعرف أنني “ما أزال أُبلل فراشي ليلاً”.. تعلمت هناك  كيف أُقدِّر ذاتي، وأحبُّ نفسي، وأحترمها، وشرعت أَرضى عنها وأضع ثقتي بها.. وطرأ تغيير جذري بعد أن راجعت طبيباً وتحدثت إليه عن مشكلتي ببعض التردد، استطاع أن يساعدني في التخفيف منها بدرجة كبيرة، وأخبرني بأن جزءاً لا يُستهان به من مشكلتي يحتاج إلى علاج نفسي.. وهو ما أخذت أقوم به فعلاً.

كلمة أُسرِّها لكل أسرة لديها طفل يعاني تبولاً لاإرادي: أظهروا الحب لطفلكم، واحتووه وادعموه نفسياً، وحافظوا على أسراره، وساعدوه ليثق بنفسه.. لا تكونوا معولاً يهدمه ويدمر جدران نفسه.

د. زهرة خدرج

كاتبة وروائية فلسطينية

0
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments