the short story project

search

عبد الرحمن المكتباتي

إنها ابنتي

في شتاء مبلل, كانت راقدة على رصيف في طريق يرمقها المارة ما بين متعاطف وضاحك ومستقذر مشمئز وهي تلقي بدموعها الطاهرة على ثيابها المتسخة, ما هو من المشاعر المقدسة التي يعجز اللسان عن وصفها أخذ يزحف على خدها الناعم الصافي, وما هو من أدران الألم ارتمى في ملابسها معانقا, الطيور على أشكالها تقع, أو قد لا تقع !

كان طاهر يمشي في الشارع ذاته فرآها, اقترب منها على خيفة, ثم أسلم كفه لكتفها
– ما اسمك
– لينا
– ولم أنت هنا يا لينا؟
– هل تمانع
– أتساءل لا غير
– فلتسل عما يخصك
– أنا آسف
سكتا ثم أردفت
– هل تعطيني سترتك؟
– هل أنت بردانة ؟
– في مثل جو كهذا أنا البطريق في قطبه
– تعالي معي إلى البيت, يمكنك أن تعيشي معي
– أظن أنك ثمل
أمسك بيدها
– هيا
– إلى مستشفى المجانين التي هربت منها؟
– كفاك ثرثرة, أنا لا أدر لم أتعب نفسي بالحديث إليك أصلا!
-هكذا بيتنا- , يرويه طاهر
كان بيتنا كأي بيت عربي يحترم نفسه
أصرت جدرانه على أن تكون صانعة الصدى لصوت المشاكل, فيما كان حشوه قاسيا كما قسوة قلوب من عاش فيه
التحمس فيه لأي أمر غير منتشر وشائع هرطقة يجب دفنها
فيما كنت أرقد على حاسوبي أطالع في عوالم دنيانا وأتمشى في طرقات مليئة بالأفكار التي طالما كنت أحلم بأن تكون حقيقتي ألمسها وأعيشها
لقد كان عزائي آنذاك الخيال الذي هو خير صديق في أشد المآزق التي يصنعها, كل شيء منه وإليه, وعوالمه قد يطغى جمالها أحيانا على واقع تشم عبقه, عندما تقتفي الروح أُثر رائحة زكية في اللا مكان أو الرأس فتسند بظهرها إلى جدار المخ سامعة مستمتعة
كنت أتحلى بنفس تهوى أن يقال لها بعد كل ممارسة لبعض من الحرية : كفاك أيتها العاهرة
هو مشهد واحد متكرر آبى أن أقتنع بعدم جدواه, أو ربما اقتنعت فولجت بحر الغباء فانتقعت
كان فيلم لشاب قرر أن يترك كل شيء عنده ثم نسق مع بعض الغرباء لسفرة إلى مكان سمعوا أنه صالح للعيش تملؤه الخضرة وسقفك فيه سماء الله التي حجبناها
كنت أشاهد فأنتشي, ثم أرفع رأٍسي للسماء التي لا أراها فأضحك
هكذا قررت كبشر أن أجرب تجربة بطل الفيلم
نحيت حاسوبي المتنقل جانبا وأخذت قدماي تخطوان على مرمر السلم البارد ثم ها أنا ماثل أمام أمي وأبي
– عثرت على فكرة أعجبتني, استمعا لها
– الأم: ترى هل ستقبل منحة الحكومة بأن تسافر لروسيا لدراسة الطب؟
– الأب: أو يكمل مجد أسلافه بالسعي لأن يكون كالملك على كرسي قاضي
علت ثغري ابتسامة لم أداريها
وهنا زكنت أن من قال : الكتاب يعرف من عنوانه, قد كان مغامرا أو أحمقا
لا حاجة لي بالكلام بعد, ولكني أريد أن أتكلم
هو ذلكم السيل الجارف من هواء مخمور منعش يغيبك لثوان لتلوم نفسك أياما
– أريد أن أتفق مع بعض الغرباء على الانترنت على أن نلتقي ونسافر لمكان مجهول بعض الشيء تسوده روح من ولدتنا وإليها نؤول
هنا تعالت القهقهات وبدأ رميي بالجنون
هكذا لملمت أمتعة الإصغاء واستحال وشوشة ما تنقله أذناي إلي, وتمثل الأسى في, ودفع مياهه إلى وجنتي, ثم في غرفتي انبثق وجلس أمامي فقلت له سائلا:
– متى تنزاح عني
– ما دمت تكبل حريتك فحريتك تكبلني فيك
في أمريكا: يرويه طاهر
في نيويورك, حيث لهيب الحركة المشتعل لا ينضب, الجمال الكبير والبنايات الطويلة يسمحان لثغرك أن يرسم ابتسامات عريضة
وجدت كتلة آدمية متجمعة على صوت يشدو, يرعب من قوته التي تجعل القلب يركع لحسنه
أخذت ولأول مرة أتخطى الرقاب وأدافع الناس كي أرى مصدر الصوت هذا
كانت جيسكا السوداء ذات العينين المحاطتان بكحل كأنه سور لحماية جمال روحها من نفاذ أي قبح إليها
كلها فتنتني, كلها دعتني
أكملت أغنيتها وراحت يداي تصفقان مع أيدي أخرى رجت المكان, أم كان قلبي يرتج؟
أخذت أنظر وأقترب, أنظر وأقترب, حتى وجدتني أقول:
– مرحبا, أنا طاهر
– مرحبا, أنا جيسكا
– صوتي جميل وأجيد العزف على الغيتار, هل تسمحين لي بوصلة من الغناء العربي؟
– لا ضير, ولكن استجمع قواك وارفع صوتك بكل ما يسمح به كي يسمعك الناس
بدأت أغني وإذا بصوتي لا يصل حتى للصف الأول من المستمعين
ضحكت جيسكا ثم قالت:
– دعني أكمل وبعد ذلك أخبرك بالسر
أكملت جيسكا ما لديها, قلت لها:
– من أين تأتين بكل هذه القوة في صوتك, كيف لحنجرتك ألا تتفجر وأنت تخرجين صوتا بهذا الارتفاع
– ههههه, أتصدق ؟ هذا ليس صوتي
– إذن ما هو؟
– ستعرف فيما بعد
– ولكنك قلت لي أنك ستبوحين بالسر
– وهل حددت وقتا معينا؟ إني أمقت العجلة, بالمناسبة لقد أعجبني صوتك, تعال معي إلى مدينتي هناك يمكننا التدرب معا, وستعرف السر!
وافق طاهر على عرض جيسكا, هو الآن في أحضان أنفاس الجبال التي ليس لها مثيل
قالت جيسكا:
– حاول أن تغني الآن وسترى أن صوتك فيه شيء مما كنت تسمعه واستغربته مني آنذاك
رفع طاهر صوته بالغناء فإذا بنبوءة جيسكا متحققة تنبعث مع كل نغمة من حنجرته
قالت جيسكا:
– هل عرفت الآن من أين أستمد صوتي؟ إني بعد كل كل رحلة سفر آتي لهنا أنادي هذه العظمة من أهلها, لا تحسبن أنك ستحصل من كل جبل على نفس الميزة, كل جبل وله روحه, لكن جبال مدينتي لا تقارن بغيرها
ضحكا هما الإثنان وأخذ كل واحد ينادي بحروف لغته مناجيا السماء مخاطبا الهواء معتذرا لمن أساء بمهر هو ترانيم من ذهب, ثم اجتمعت الأيادي مطبقة على بعضها وارتاح كل كتف على صاحبه يا للعجب !
قالت جيسكا:
– ألن تتصل بأهلك
– سأتصل في الغد, أنا غائب عنهم من ثلاثة أيام, لا أظن أن قلقلا عظيما قد تسلل إليهم, أو تعلمين, ربما تسلل إليهم, لكني سأتصل في الغد أيضا
سكت لوهلة ثم أردف:
– هم من اضطراني لهذا, في الحقيقة ليس هين فراقهما, ولكني عندما أطلب كل شيء ويرفض كان لا بد أن أفارق حتى يرضخا لفكرة أني كائن منفصل عن ذاتهما, أملك روحا خلقت للحرية, خلقت لهذه الجبال
– ربما لا أتفهم جيدا ما تمر به لأني لم أعايشه, ولكني في العموم مرتاحة إليك مصدقة لكلامك

تقابلا وجهينا مع لحن الطبيعة المسلطن
في صباح اليوم التالي اتصلت بأهلي:
– أنا طاهر أهاتفكم من أمريكا
– أين أنت يا طاهر أقلقت نومنا وقلبت حالنا في مذ غيابك, ما الذي أودى بك لهذا؟
– أنت تعرفين يا أمي
– أعرف ماذا؟ حتى مجرد تلميح عابر لم تصنع, متى ترجع؟
– لن أرجع
– كف عن عبثك السخيف هذا وتكلم بشكل واقعي جدي
– هذا محض الجد
– أجرى لعقلك شيء؟ هل تعاطيت مخدرا؟
– أنا في أتم أحوالي مذ خلقت, الأمر كله باختصار أني لست راجع حتى يكون لي محض الحرية في كل اختياراتي, وسأعيش في بيت منفرد لحالي
– لك مني وعد أن هذا كله لك, فقط عد لبلدك
– سأمضي هنا أياما لا أدري كم تكون, ثم أعود إليكم
– اتصل بنا وطمئنا
– بإذن الله, في أمان الله
أغلقت أمي الهاتف ونظرت لأبي ثم أخذت تروي له كلامي, أسلما جبهيتهما لأرض الله مذعنين
جيسكا كائن لطيف مرح, روح الدعابة ملازمة لها طول الوقت, كانت تقول لي أنها إذا ما كانت تجلس لوحدها, تقوم بصنع النكت وابتداع حوارات في الخيال كلها تدور في إطار كوميدي, أسمعتني شيئا مما لا تزال تتذكره, نال إعجابي ما قالت ونصحتها بكتابته وعرضه كسيناريو
كانت تملك بيتا يحوي في أسفله مكان نومها وموضع استقبال الضيوف والمطبخ والتلفاز, كل هذا مفتوح على بعضه, فيما كان الطابق العلوي محاطا من جوانبه بجدران من الزجاج, كنا نجلس نتأمل السماء والطبيعة في كل ليلة, نشعر بالانتماء لها, نرتمي بعيدا عن كل حاجز يريد انتشالنا منها
كانت جميلة أمريكا جيسكا مهووسة بالموسيقى والأفلام, هي ثرثارة بشكل ممتع لا يزعج, لكنها قد تسرق فرصتك بالتحدث دون أن تشعر, شاهدنا كثيرا من الأفلام واستمعنا لجملة من المعازف من ترشيحها
قلت لها ذات مرة:
– اسمحي لي ولو لمرة أن أرشح لك شيئا من ذلك على ذوقي من تراثنا
– أوه أنا آسفة, تفضل, أنا فقط أسكر فعليا بالحديث عن ذلك العالم, أخوض في دوامة لا نهاية لها
– هناك فيلم عربي اسمه الكيت كات مترجم للإنجليزية فلنشاهده
– لم أعتد مشاهدة المترجم
– بالطبع فلغتكم مسيطرة على صوت الأفلام, فلتشعري بقليل من معاناتنا
استمتعت بالفيلم أيما استمتاع وقد أعجبت جدا بشخصية محمود عبد العزيز, قالت لي:
– وددت أن لو كان هذا ممثلا في هوليود
– كل شيء جميل تريدون أخذه
– قالت ضاحكة: راضية بما قلت, إنه مدح, نحن نبحث عن الجمال
– هل تستطيعين نطق اسمه؟
– ممممم, أنا لم أسخر من أي نطق انجليزي نطقته بشكل خاطئ, لذا ابق بعيدا واتق شري
– أنا من ملوك الشر أيتها الفتاة, قولي فقط, فلتزدهر الجلسة بالمتعة
– إذن فلنبحث عن لعبة بعيدا عن هذا الهراء يا فتى
– لا تهزمين من كثرة تهربك, هاربة منتصرة, كيف لا أدري!
– قلت لي أنك من ملوك الشر أليس كذلك هههه, يا قلبي مت أسى على صغيري هذا
ثم أردفت:
– الوقت الآن متأخر فلننم, سأوقظك مبكرا
– لم؟
– لدينا مغامرة يا صغيري
– كفي عن يا صغيري هذه
– حسن, نم إذن
– تصبحين على خير
– تصبح على خير

أيقظتني الفجر قائلة:
– هيا لنذهب للغابة تبعد حوالي نصف ساعة بالسيارة عن هنا
– فلننتظر قليلا, لا زلت أشعر بالنعاس
– قم أيها الكسول, أتدري كوب من الماء البارد في شتاء أمريكا كفيل بأن يوقظ دبا من سباته
– أنت مولعة بالمزاح السخيف
استيقظت قلت لها :
– ألن نأكل شيئا قبل خوض هذه الرحلة
– سنأكل في الطريق, هيا هيا لملم أمتعتك والحق بي, سأنتظرك في السيارة
سلكنا الطريق المليء بالجبال في أوله بالأشجار بعد متوسطه
اتفقنا أن نستمع إلى أغاني المذياع دون أن نختار نحن ما نريد سماعه, كل الأغاني التي ظهرت لم نكن نعرفها, لكننا أخذنا نردد لحنها كالمجانين, أخذنا مخالفة سرعة بعد محاولة هرب من الشرطي الذي لحق بنا
وصلنا إلى الغابة عند الشروق تقريبا, قالت لي:
– هل تعلم لم آتي إلى هنا؟
– لا
– آتي كل يوم خميس كي أركض, أركض فقط, قال لي أبي قبل وفاته:
لو لم يركض فوريست جمب دون تفكير لما نجح, لذا أسلمي ساقيك في شجار محبين مع الرياح
أخذنا نركض ونركض حتى قلت لها :
– سأموت قسما بالله, اعتقيني أيتها المجنونة, سأكتب على ورقة أضعها فوق باب بيتك قبل ذهابي : لا تطعها يوم الخميس, اذهب بها إلى مستشفى الأمراض العقلية فقط
توقفت عن الركض ثم قدمت لي سيجارة :
– أنت كائن غريب تالله
– أفضل من أكون مملة
– في الغد سأرجع لبلدي, لم يتبق معي مال خلا ثمن تذكرة الرجوع
– ابق رجاء, ابق وسأجد لك عملا في غضون يومين
– أعدك أني سأجيء مستقبلا للاستقرار هنا, لكني الآن لا أستطيع
– لقد وعدتني وسنبقى على تواصل, سينساك قلبي إن نسيتني
– الذي جعل عيناك تناديني في ذلك اليوم سيجمعنا لا تقلقين
ثم سمحنا لجسدينا بعناق طويل, فكانت أخاديد شفتيها نارا من الحسرة, وكانت عينيها سماء من تأنيب روح على رحيلها, وكان القلب كأنه مسمار يريد الخروج بقوة ضرب مطرقة التعلق ليستقر مع خفقاتي
في بلدي: يرويه طاهر
هكذا رجعت إلى بلدي, اشتريت شقة على البحر بما جمعته من عمل سنين ما بعد الثانوية, ثم الآن شرعت للعمل من على الانترنت في مجالي البرمجة والتصميم
عند أول يوم من رجوعي كتبت منشورا على الفيسبوك في مجموعة أنشأتها وآخرون كي نكتب فيها أحلامنا وما يتحقق منها:
في هذا اليوم, أنا طاهر في الخامسة والعشرين من عمري, استطعت التحرر بشكل تام من أدران القيود التي لطاما كتمت على نفسي وجثمت على رايات آمالي وما كنت أتصبر به على مر دنيانا من أمان
بعد سنة من رجوعي من أمريكا قابلت فتاة في الشارع زينت أيامي بكافور وزهر
لقد حملني : ترويه تالا
إذا بهذا الرجل الغريب أسمر البشرة يقترب مني قائلا:
– كفاك ثرثرة, أنا لا أدر لم أتعب نفسي بالحديث إليك أصلا
اللعنة! لقد حملني
وهكذا أنا أجدف في اللا شيء محاولة الخلاص منه فيما هو شبيه بحجر صلد لا تحركه سيول الأمطار
وفرت جهدي واستسلمت له
دخلنا إلى بيته الذي لم يكن بعيدا, كان مليئا بالكلاب والقطط الجميلة في الحقيقة , كنت أنظر إلى الباب أتحين فرصة الهروب على حين غرة منه
لقد لاحظ نظراتي واستشف منها ما يدور في رأسي
هكذا أقفل الباب بالمفتاح لأكون سجينة بيته
إنني الآن أفكر بأن أصيح قائلة: هناك فتاة تغتصب هنا, هناك بنت مخطوفة
علمني الناس من قبل أن لا أحد يستقبلني إلا وغد يريد مني شيئا مؤذيا
لم يكن لي من توقعات سوى أنه واحد من أولئك الأوغاد يروم إشباع شهوة أو يطلب تأدية عمل ما
استيقظت على رنة كوب الشاي عندما وضعه طاهر على الطاولة التي تقبع أمامي
قال :
– اشربي
ثم وضع يده على كتفي
– أبعد يدك القذرة عني, ماذا تريد مني؟
– لا أريد شيئا صدقيني, كل ما أريده أن تعيشين حياة جميلة آمنة في هذا البيت, نلعب ونتسلى ونطبخ
هنا بدأت اصدقه نوما ما, كل من كان يجلبني عنوة لبيته تبدأ متطلباته فورا, لكن فئران الشك لا زالت تتراكض في صدري
– إذن لو أردت أن تثبت صدقك فلا تقربني اليوم ولا تحدثني ولنا الغد
– اتفقنا
نمت لأول مرة منذ بدء هذا الشتاء في أمان ودفئ
أيقظني في الصباح وقال لي:
– لقد صدقت الوعد, هيا نذهب لتناول الفطار في أحد المطاعم, ذهبت قبل أن تستيقظي إلى السوق وأحضرت لك هذا اللباس, أتمنى أن يكون مقاسك
ارتديت الملابس وركبنا سيارته ذاهبين للمطعم
جلسنا على طاولة وهنا سألته :
– لماذا تفعل هكذا؟
– كم عمرك؟
– عشرة
– إذن أنا سأكفل تربيتك لحين تريدين تركي, أنت ابنتي من بعد الآن
– ولم لا تتزوج وتنجب طفلة؟
– وما الفرق؟ غير أنه لا أريد ولادة هم جديد مؤهل لعذاب في هذه الدنيا المؤلمة
– وماذا عن الزواج دون إنجاب
– في الحقيقة عندما تذكر أسعار المهور كل تفكيري يكون كم كلبا وقطة وصحن بيتزا يمكنني شراؤهم بذلك المال؟
ألن تخبريني باسمك؟
– ليس لدي اسم معين, يقال أني وجدت لقيطة في على طريق ما, أخذني أحدهم ورباني لحين بلغت السابعة, كان اسمه أدهم, كان يدعوني باللقيطة, الناس من جيراننا منهم من كان يناديني بسلمى وآخرون نبيلة وأسماء كثيرة

– ماذا عن لينا؟

– اخترعته البارحة
كان أدهم يضبرني ويقسوا علي جدا, غير أنه كان يجبرني على العمل كل يوم ولا يعطيني إلا وجبة واحدة لا تكفي نملة, هكذا هربت وكنت أعمل بنفس العمل الذي كنت أعمله, بعد ذلك كان يأخذني من قارعة الطريق أوغاد لا أريد أن أذكر مرامهم ومبغاهم, كنت أظنك منهم……
– والآن؟
– لا أدري
– ها هو الفطور قد حضر, لدي بعده لك مفاجئة, سأدعوك تالا بعد اليوم
– اسم لطيف
بعد انتهائنا من الطعام أخذ بيدي ووجدتني أقف أمام مدينة ملاه تتلألأ أضواؤها ولم اشك أن روح الجمال اتخذتها موطنا, كيف لا والبراءة تزورها كل يوم لتمسح عنها الدرن بأنفاس الضحك والمرح اللاهثة والعيون الرانية والقلوب الثملة بالحياة, وهل الجمال إلا صفاء لا تشوبه شائبة
هكذا أخذنا نركب اللعبة تلو الأخرى حتى في كنا في سكة الموت في سماء الله وأخذت المركبة تطير بنا والهواء يهذب أفكارنا ليخذل الشكوك ويرفع الحرج وينزل السلام, فأحطت بيدي جانبي صدر واحتلتا كفاه ظهري وصرخت :
– أحبك يا يا …لا يهم ما اسمك ولكني أحبك
– اسمي طاهر
– أحبك يا طااااهر

هكذا مرت الأيام وأصبحنا أصدقاء جدا, نمرح سويا ونصنع ما تمليه علينا خيالاتنا
وقد يجعل الله جنة الدنيا في شخص, كما أن جحيمها أشخاص
وهو متوقع: يرويه طاهر
بعد مرور شهرين من وجود تالا معي قابلنا أمي في السوق, أول ما وقعت عيناها عليه وسألتني عنه كان تالا:
– من هذه ؟
– إنها تالا, إنها حفيدتك
– أنت تزوجت دون علمنا؟
– لا لقد تبنيتها
– إذن لا تقل حفيدتك
– لم؟
– هي ليست من صلبك
– ما الفرق؟ أوليست بشرا؟
– لا زلت مليئا بالعند حتى أخمص قدميك
– لك الحمد إذن خالق الكون السرمدي
– أراك لاحقا
كنت أعرف أن تالا ستتعرض للتنمر كثيرا, هذا وهي بعدها لم تختلط بالناس كثيرا ولم تقابل ممن في سنها إلا ابنة جارنا جومانة, كنت أحاول جهدي التخفيف عنها وإشغالها باللعب إبان ظهور أي تصرف مشابه لما فعلته أمي
كانت جيسكا تتصل بي كثيرا تطلب مجيئي وإيفائي بوعدب حتى اقترحت عليها يوما:
– لماذا لا تأتين أنت ؟ لم يسبق أن زرتي بلادا عربية أليس كذلك ؟
– موافقة, ولكنك ستستقبلني في بيتك لأن عمال الفنادق يثرون حنقي, اتفقنا أيها الوغد؟
– أنت آمرة ناهية أيتها الملكة
هكذا كان استقبالا حارا في المطار, أكثر شخص تعامل بالحسنى مع تالا هي جيسكا التي لا تفهم حتى لغتها, ولكنهما اعتادتا الكلام بالاشارة أو وجودي بينهم كمترجم
في اليوم التالي اتفقنا على الشواء, أحضرنا العدة وأكملنا استعدادنا أمام البحر, كنا قد اقتربنا من اكمال الطهي حتى تسنى لجيسكا أن تخبرني أن الخبر نافذ من بيتنا
هنا ركبت السيارة لاحضار الخبر, فيما أمرتهم بالدخول وانتظاري في الشقة لبرودة الجو, عند وصولي المتجر اتصلت بي جيسكا قائلة:
– لقد وصل أهلك, أمك وأبوك إلى البيت
– زيارة مقيتة, على العموم لن أتأخر هي مسافة الطريق اللعين
أخذت الخبز وأخذت أتسائل عن السبب العبقري الذي يمنع مخبزا أن يكون قريبا من شقتنا
عند وصولي للبيت لاحظت وجه جيسكا المكفهر عندما فتحت الباب لي, ثم همست:
– تالا في غرفتها اذهب إليها
ألقيت السلام على والدي وانطلقت لغرفة جيسكا
فتحت الباب, كانت منكفئة على نفسها مستندة إلى الجدار ونفس الدموع التي رأيتها في عينها أول مرة عادت إليها
اقتربت منها وقلت لها موجها عيني إلى السقف :
– يا ابنتي إن جدارا من جماجم وأجساد يقاومنا

كتباه بعد 20 سنة:
طاهر سليم
تالا طاهر سليم
………. انتهى

 

 

 

 

2
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments