the short story project

search

حجاج نصار

السحارة 

“ولدت يا بني فى فجر يوم الجمعة، باركتك الحياة بإختيار يوم مقدس فى وعي العالم، وعندما لاحت ابتسامتك الأولى لمست ثغرك بيدي.لثمتك فربط قلبي بقلبك وعانق نبضي نبضك، فأصبحت القلب والروح في ذلك اليوم كان موعدي مع الرحيل الى أقاصي الدنيا، كنت أبحث عن إجابة أبقيها لك، ترشدك الى حياتك التي بدأت، كان صندوقي ملآن بأشياء ستحتاج اليها فى حياتك.سأكتبها لك فى ذلك الخطاب..ستقيك القادم وسترشدك الى المقبل فأعلم يا ولدي”

كان ذلك ما تبقى من الخطاب الذي تركه له ابوه ورحل، الأيام الطويلة التي قضاها في خرائب الظلام كانت كفيلة بأن تمزقه، فدام بحثه عن بقاياه في وقت هو في أشد الإحتياج اليه ليرشده الى الغد، كان الخطاب بداخل صندوق خشبي مطلي بدهان أسود ،زخارف منقوشة من طيور غريبة تستعد للطيران، ومستطيلات نحاسية منقوشة برسوم لإنسان يرفع يده الى السماء في حزن، وثلاثة أقفال قديمة فى حجم كف اليد، وبالداخل كان تجويف بيضاوي يرقد فيه الخطاب ملفوف بقطعة من القطيفة الحمراء، صفحة واحدة، ترتسم على بدايتها مقدمة واضحة الحروف، وبعد المقدمة كانت بقايا الورقة مهترئه وحروفها مدفونة فى الزمن، ما إن فتح الخطاب حتي تحلل ثلاثة أ رباعه، ولم يبق سوي كلمات المقدمة، سأل امه عن ما بداخل الخطاب قالت :لا ادري..فقد كانت وصيته ان لا يقرأه احد سواك عندما تبلغ الحادي والعشرين من العمر، فلم اقترب منه خوفا من ان يتوه بك خوفي عليك فآثرت حفظ الوصية، فقد كان ابوك عالماً بزمنك مستشرفاً  لمستقبلك،هالها حزن شديد ، وبصوت متهدج أكملت : بإمكانك ان تصبر الى ان يعود ، فقد وعدني انه سيأتي يوما ما ، توجهت لغرفتها فتحت الباب . توقفت ، وغرقت بنظراتها فى النافذة المفتوحة.

القته كلمات أمه فى يباب البحث، فصار محموم زائغ العينان، انزوي الى داخل غرفته، يمسك برأسه، يصارع الصداع، والسؤال الذي ينخر فى عقله: ماذا كان يريد ابي أن يخبرني.؟ ستقيك القادم، وسترشدك الى المقبل..؟ ربما اعطاه عمله بالتنجيم القدرة على ان يضع لي حيثيات عبور حياتي بسلام، او إتاحة الإشارات لذلك العبور، كم انا بحاجة الى تلك الرؤيا في أيامي التي يكتنفها الظلام من كل جانب، وكل يوم أعيشه منها يقيم متاهات لأيام مقبلة. مدد جسمه على السرير، وضع الوساده على وجهه، احاطها بيديه، ضغط عليها، كتم انفاسه،تسارعت، ازدادت حرارتها،خفف ضغطها، غرقت عيناه فى ظلام دامس تتناوب فيه خيوط بيضاءيزداد ترددها، تدفع اليه كرات سوداء، تقترب منه، تنفجر ،تتشتت، تتجمع، تذهب بعيدا وتعود محملة بشرارت سماوية، تتحول الى موجات  وخيوط مستقيمة تتحرك، تتبعها بعينيه، أعلى ، أسفل، تختفي ..تظهر، يبدأ معها من جديد.

رمي بالوسادة، اعتدل، وضع قدمه على الأرض، شعر بصلابة البلاط، قام، تحرك فى أرجاء الغرفة،اربعة حوائط فى وجوه بعضها البعض، لا توجد نافذة حقيقية ،نوافذ كثيرة مرسومة ومنتشرة على الجدران، وبحر هائج، ونوارس تطير..اتجه الى الحائط لمس النوافذ المرسومة، شعر بقيد ضخم يحيطه، انتقل الى صورة نورس فارد جناحيه، تحسسها، تعلقت عيناه بعينيه، قرب وجهه منه، قربه اكثر.نظر فى بؤبؤ عينيه، لصق وجهه به، يحاول ان يدرك مداه،غامت نظراته.رجع للخلف.ضرب النورس برأسه، لسعته بقية الخطاب المفقودة، صرخ: ماذا كنتَ تريد ان تخبرني؟

اتجه ناحية الباب،امسك بالمقبض، ارتعشت يده، تركه، زادت الرعشة ،تنحي جانبا، اتجه للسرير، لم يستطيع الجلوس ،لف مرة اخرى، اتجه للباب، وضع يده على المقبض،.فتحرك فى يده اصابته رجفة، فُتح الباب.كانت أمه بوجهها المحاط بالعمق، وبإبتسامة بشوشة،حملت معاني كثيرة، مدت اليه يدها بمفتاح وقالت: هذا مفتاح البيدروم، ستجد مفتاح السحارة خلف الباب، خذه وافتحها ربما تجد شيئاً يطفئ ظمأك، قبل يدها وانحدر الى عتبات السلم.

وصل الى أسفل، ادار المفتاح فى الباب ،ثلاث دورات سمع صرير الباب الذي لم يفتح منذ واحد وعشرين عاما،غطته ذرات التراب المتناثرة.حاول ان يحتمي منها بالداخل، فكانت بيوت عنكبوت كثيفه تقابله، رجع للخلف، امسك بعصا طويلة وبدأ في لف خيوط العنكبوت عليها، كان الظلام ممتداً ، بحث عن مفتاح الكهرباء،ضغط عليه، برقت اللمبة ثم انطفأت. لمحت عينه شمعات ضخمة على النوافذ، اشعلها فرأى السحّارة الكبيرة قائمة في منتصف الغرفة كالعرش، تقدم خطوات بطيئه، يتوجس من تصميمها الغريب، والقدم الظاهر عليها، هل يمكن ان اجد فيها ما فُقد من خطاب أبي؟ او أجد نسخة أخرى منه؟ ام انني سأظل مستمراً في البحث كخيط ملتف حول نفسه، ربما فَتْحُ السحارة هو اللحظة التي ستفتح لي الغد، وتعطيني المرآة لرؤية نفسي بين تخوم الظلام

وئيدا يخطو،وعلى باب السحارة ترتعش يده بشدة، يقربها، تزداد الرعشة، يبعدها،يقترب اكثر يُرخي يده، يرفعها مرة اخرى، يضعها متوجساً على القفل ،يتحسس خشونة الصدأ، يرتجف من عمق زمنه، تنزل قطرة من عرق على الصندوق، تنفجر وتفجر ذرات التراب المتراكمة، يتفادي تطايرها..قطرة اخرى كبيرة تهوي بسرعة، ترتطم بعنكبوت صغير، فيفر هاربا فى الظلام ،يأخذ شهيقا عميقا ويدفعه الى التراب ، تتكسر طبقاته.. .تتطاير…..يهرب منها… .يتعلق بعضها بأنفه، يعطس فيندفع تيار هوائها المختلط بالرذاذ ….يمور التراب، يتتدافع، يرجع للخلف ، يضع يده على انفه وفمه، يفتح عينيه ، يشاهد ذرات التراب فى ضوء الشمعات، كثيرة ، متناثرة، تلتف حول الضوء كفراشات ضخمة …يتجه ناحية السحارة مرة اخرى ، يتحسس فتحة القفل، يفركها بأصبعه، يضع المفتاح ببطء….يشعر بدخوله فى الأعماق ويديره….يسمع صوت استدارته وهى تكسر رقدة عموده المستقيم، يكمل دورة المفتاح بصعوبة.يزيد الضغط  .ينفصل المشبك، ينطلق من العمق، يظهر الجزء المدفون منه ويثبت على فتحتة القفل، يلاحظ فيه طول الحبس، ما زال نظيفا ومختلف عن بقية اجزاء المشبك…طلاؤه الفضي ما زال يحتفظ بلمعانه، حدق فيه  فانتابته دفعة من أمل ان يجد بقية الخطاب الذي ينتظره، محتفظة بحبرها، قوية خطوطها …بارزة ….تحمل الكلمات التي ستقيه شر القادم…. وتغتال ذلك المجهول الغائر بداخله، ويرحل به من متاهة الى اخرى….يمتد كالسراب ….يخلقه ثم يبدده، ويجعله دائم الوقوف على بدايات ونهايات معاقة الإكتمال  ،تتمدد فى مساحات ظلام شاسعة ولا يوجد بها نقطة نور

يهتز ضوء الشموع، يلتفت اليه، يحرك سكونه، ينعكس على عقله، تنتابه رعشة ،هناك ضوء فى الغرفة..قليل ولكنه ضوء  يشي بأن كلمات الخطاب المفقودة ستقفز الي من السحارة، وقبل الضوء كانت قطرات العرق تبدد ذرات التراب،حتي عطستي غير المعتادة، اشارت الى ان الكلمات المفقودة قريبة مني، سأفتح باب السحارة وسأمد يدي الى بطنه الكبير وسأُخرج شعلة أبي

يُخرج القفل من مغلاق السحارة، يحفظه فى جيبه، يمسك بالمقبض، يمتزج عرق يده بتراب المقبض، يرفع الباب، تنزلق يده، يتركه، يمسح يده فى جيب بنطاله، يقبض بقوة على المقبض، يأخذ شهيقاً، يزفره، ينظر الباب، ارتجت السحارة، اهتز المجهول بداخله، خفت جسامته، وسلطت علامات الإستفهام اشعاعها على عقله، برزت من عينيه، حدق فى داخل السحارة، غطاء من القطيفةالخضراء، مرر يده عليه، يشعر بنعومته العميقة، أزاله فوجد باباً صغيراً….رفعه وجد لفافة بردى، برق ضوء اخضر فى عينيه، وبدا له مكمن السر ومفتاح الحياة، هل كان يريد مني ان آتي الي هنا لأعرف؟ أم ان تلك الورقة تحمل شيئاً آخر؟ أخذ الورقة….زادت دقات قلبه، كان الخيط الملفوف حولها معقداً ،حاول ان يفكه، تعقد أكثر… شدّه بعنف….انطبقت الورقة على بعضها….هدأ ضغطته، عاود مرة أخرى تفكيك الخيط فتعقد أكثر، جرب ان يفلتها من بين الخيط، تكورت،آلمته يده، أغمض عينيه، فتحهما، حمل الورقة الى فمه، وبدأ يقرض فى الخيط ،فتفسخت فتلاته الصغيرة، وتمزقت بتتابع، فرد الورقة  .كانت صفحتها سوداء مفحمة وملصق بها شمعة، هبط قلبه، وسقط بجسمه على الأرض.لم يدع المجهول يراوده باليأس. قام الى النار.أخذ شعلة وأضاء الشمعة. تعجب من ضوئها الأسود ،وضعها فى منتصف الورقة، فإزداد سوادها واشتد، جلس بجانب السحارة،وضع رأسه بين يديه وغرق فى لزوجة وعرق

تعلقت عيناه بالسقف، يتابع اهتزازات ضوء الشموع، تتراقص فى انتظام، وتثور رقصاتها عندما تحرق ذرة تراب، تتنامي الإهتزازات، تتسارع..يفكر فى الأشياء المحترقة  والنار المشتعلة، شمعة تحترق لكي تضئ، لها غاية الإضاءة والذوبان فى النهاية ،وغايته ما زالت تركض وراء الكلمات التي تركها له ابوه، تغور بعيدا ،من كهف الى كهف.يحترق بنار السؤال ويشاهد زوايا السقف المعتمة، يتشبث بها فهناك شبه يجمعهم.محرومة من وصول النور اليها ، وهو ممزوج في السواد، يغمض عينيه، ينزل الى اسفل، يوقف تنفسه، يحاول الإختناق تزداد ظلمة عينيه ،يفتحهما ، يلاحظ موت شمعة ، فيخف ضوء الغرفة.يصارع الظلام .تتهادي الظلال فى السقف.يقف فجأة. ينظر للسحارة، لحجمها الضخم..أيعقل ان يكون كل ذلك الحجم لا يوجد به سوى سمنتيمترات لحفظ ورقة بردى، دار حول الصندوق، لم يجد اقفالاً اخرى، حاول رفعه، فلم يستطع ان يزحزحه من مكانه. امسك بالشمعة ودار مرة اخرى، لم يجد شيئاً ذا بال.اقتنصته الكآبة..فرَّغت طاقات تفكيره، وفي لحظة تحول الى انسان بدائي،صرخ بصوت مبحوح: ماذا كنت تريد مني؟ لماذا تركت ذلك الخطاب.؟ ثارت ثائرته ودفعته غشامتها الى تناول عتلة ضخمة. أحكم قبضته عليها، وانجرف بالتحطيم الي كل شئ يراه في طريقه الى السحارة، يضطرب فيمزق ، يرمي، يطيح ، يسب، يلعن حتي وصل اليها، فهوى بضرباته كالإعصار يضربها يصرعها…. ومع كل ضربة يرتج شئ بداخله، يوجه ضرباته الى كل الجوانب. يُكسِّر ويكْسَر علامات استفهامه المعلوله. يجور فى الضرب…. ينهال ينهمر..يفتت، غطاه العرق وغرق بالتعب والإرهاق، وقف ينظر تحولت السحارة الى قطع صغيرة، تناثرت اجزاءؤها، بحث عن اشياء فلم يجد شيئاً….غامت أفكاره، وفاضت دموع حاره، ورأى كل شئ في رقرقاتها المهتزة….يقترب من كل شئ ليتعرف عليه..ولا يعرف الا فى حين وقوعه فيه، كأعمى … مسجون مكتوب عليه الا يعرف شيئاً الا فى حينه، لفته غشاوة ،اسند يده على الحائط، فارتمي بطوله على الأرض.ارتطمت رأسه بإحدى الأخشاب المتناثرة، فطبّ ساكتا.

بدأت الإفاقة تذوب فى جسده، وضع يده على رأسه.تغضن جبينه من الألم، حاول ان يقوم فرماه الإرهاق.استسلم للركود وحاشية الظلام بدأت تزحف اليه تماما. استسلم ومنافذ جسده تمتص ضوء الشموع لا توجد سوى شمعة فى النزع الأخير، رمقها، يستنجد بها أن تظل مضيئة حتي يمتلك قواه …تابعت اهتزازاتها ….يسمع صوت احتراقها….أغمض عينيه على شراراتها الأخيرة كمن يمسك بخيط ضوء ، برمق… بحياة….

ظل مغمض العينين.خائفاً يرتجف من الظلام المطبق على انفاسه،يلصقه بالأرض، يكتم انفاسه.فتح عيناه بصعوبة.حاول ان ينقلب على جنبه الأيمن فلم يقدر. لا يشعر بجسمه.عيناه تتحرك فى ظلام كثيف. ليس وراءه شئ سوي ظلام اكثر.حرّك أصابعه.امسك شيئاً ما بيده اليمنى، قرّبه من عينيه. كانت شمعة سوداء تنغرز فيها قطعة خشب صغيرة. انتزعها ،وأخذ يدعك فيها، يطحن فى شحمها فيتفتت ويسقط على الأرض.انتقلت الحركة ليده اليسرى، فأمسك بهما الشمعة ،كسرها ورماها بعيدا.انقلب على بطنه، وأخذ يزحف الى الحائط. امتار قليلة ويجد بعدها من يأخذ بيده. استمر فى الزحف.استجمع قواه، قابل الحائط بوجهه، أمسك به ، رفع جسمه اليه. خطا خطوات قليلة ،ثم ارتمى على الباب.انغلق، مد يده للمقبض ففتحه، القى يده الى اول عتبة من السلم.شعر بنسمة هواء قادمة من الطابق الأعلى لفحت وجهه، وأكملت الى البيدروم أثارت ذرات التراب، فأغمض عينيه وبدأ يزحف الى العتبات المظلمة…….

2
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments