the short story project

search

Muhammad Fahmi

مسرحية القائد

 

(1)

 

يجب أن يشارك القائد في المسرحية.

لكن القائد ليس ممثلاً ولا يستطيع تأدية الأدوار. فذلك يحتاج وقتاً وجهداً لا يملكه القائد لحفظ دوره وإتقان الحركات. كما أيضاً يحتاج إلى… تردد في الكلام. ثم توقف. وهو ينظر بنظرة خائفة صوب الوزير.

ماذا يحتاج أنطق؟

أخشى بأنني سأعرض نفسي للسجن أو…

لا تخف أنت صديقي سيبقى كل شيء بيننا، قل لي هيا ماذا يحتاج؟

يحتاج ذكاءً يا صديقي الوزير.

هل تقول بأن القائد غبي؟

لا، التوبة لله كيف أقول شيئاً مثل ذلك.

لا تخف كلامك صحيح إنه غبي، ولذلك يجب أن تجد له دوراً غير معقد؛ لكن يجب أن يكون فيها البطل والكل في الكل. فمثلاً يمكنه تأدية دور القيادة والزعامة جيداً. تستطيع أن تجد له دوراً في حدود ذلك.

لكن كل مسرحياتي وأدوار البطولة فيها معقدة لن يكون بإمكان القائد تأديتها. إنها مسرحيات تراجيدية، وحوارية يحتاج ممثلاً متمكناً ليحفظ الأدوار ثم يؤديها بإتقان. لكن قل لي يا صديقي. ما هذا الاهتمام المفاجئ من القائد بالتمثيل والمسرح. لم يريد فخامته أن يمثل؟ ألسنا كلنا نمثل على مسرحيته الضخمة. يا ترى ما الذي دفع القائد ليفكر بالتمثيل؟

في الحقيقة لقد كان خطئي. لقد اقترحت عليه الأمر. ليت لساني كان مقطوعاً ولم ألفظ بذلك المقترح السخيف.

فبعد أن غطى صور القائد وأخباره ومنجزاته كل شيء من التلفاز إلى الصحافة والأخبار والكتب والبنايات. وبما إنني وزير الثقافة والإعلام. اقترحت على فخامته في نوبة تملق شديدة انتابتني بالتوجه إلى المسرح حتى يظهر للناس الذين يحكمهم المهارات الفنية التي يمتلكها، لذلك إن كنت تريد أن نحتفظ برأسينا يجب عليك أن تشاركه في التمثيل وأن تجد له دوراً يليق بسعادته.  وإلا سيغضب القائد وحينها لن ينقذنا من غضبه شيء.

 

كل شيء إلا غضب القائد سأحاول أن أجد حلاً.

نعم يا صديقي، ولا تنسى أن يكون الدور سهلاً ويمكن حفظه، فهو ليس لديه الوقت لمثل هذه الترهات. وليكن الدور في البداية تنكرياً لا يتعرف عليه الجمهور حتى نهاية المسرحية. ثم يكشف عن نفسه بعد العرض لمفاجئة شعبه العظيم.

 

(2)

 

جلس الكاتب والمخرج المسرحي (شاكر بير) إلى مكتبه في تلك الليلة. لكتابة مسرحية تليق بفخامة القائد، وتكون في نفس الوقت سهلا يمكن أن يؤديه القائد بإتقان وبدون أخطاء. لكنه لأول مرة في مسيرته الفنية يشعر بأن موهبته تخونه، ولا يستطيع أن يجد فكرة ليبني عليها مسرحيته. ويحيك مسرحية على مقاس القائد بالضبط. يعصر ذهنه ويذرع الغرفة إلا أن التوتر والخوف يمنعانه من التفكير بصفاء. وكلما يتخيل القائد بشواربه الكثة يشعر بمرور صعقة في جسده تقف لها شعراته من الرعب.

 

ماذا أفعل، إنها حيرة كبيرة، كيف اختار دوراً سهلاً وفي نفس الوقت يكون بطلاً رئيسياً؟

ليس هناك دور سهل لمن لا يعلم التمثيل.

يا إلهي ما هذه الورطة الذي أقحمنا بها الوزير المتملق.

أي الأدوار تنفعه يا ترى؟ سأل نفسه، ثم أجاب:

لو لم يكن قائداً وزعيماً لما كان يصلُح أن يُتخذ ككلب للحراسة! لكنه القدر ولا اعتراض على القدر. ها نحن كلنا كلاب حراسة نحرسه ونطلب رضاه بهزنا لذيولنا حوله. ثم مضغ مؤخرة قلمه بتوتر وفكر:

هل أعطيه دور عمود يدعم السقف ونجعله بطلاً بحمله السقف؟ أجل ولم لا؟ فللعمود دور رئيسي بالإضافة إلى أنه صامت لا ينطق يليق بغباء القائد. ثم فتر حماسته للفكرة: لا لن يقبل يريد أن يثرثر كأنه يعرف أن يتكلم! أعرفه جيداً.

قام واقفاً على رجليه وركل كرسيه، وأخذ يذرع الغرفة وهو يفكر ثم توقف فجأة:

 

وجدتها! لم لا يكون كلباً شجاعاً يحاول إنقاذ حياة أحدهم! هذه فكرة جيدة؛ لكن من سيضمن بقاء رأسك في مكانه أيها الحاذق في حال عرضت عليه هذا الدور. كان يتحدث مع نفسه وهو يتحسس عنقه كأنه سيفقده عن قريب: ليتني كنت بائع خضار في زاوية حقيرة في السوق ولا هذه العيشة. نحن المثقفين ابتلينا مرتين مرة بهذا العمل ومرة بمداهنة وتملق الكبار.

ماذا هناك أيضاً وبدء يفكر.

لم لا أجعله راقصة سيجذب الأنظار إليه، كما إن الرقص وهز البطون والوسط لا يتطلب جهداً كبيراً لتعلمه، يعشق الجمهور هكذا استعراضات. فهم لم يعودوا يعرفون تذوق الفن الأصيل. أبتسم لنفسه وقال: إنها فكرة لماعة. نعم رغم شكله القبيح باستطاعتنا أن نجعله مقبولاً مع شعر مستعار أشقر يخفي صلعته، وطبقة سميكة من المكياج لوجهه الأسود المائل إلى البني، وكرشه! كرشه…!! آخخ تف على كرشك.

 اللعنة. كيف نسيت هذا! لدى القائد كرش هائل؟ لكن هناك مشكلة أكبر غير الكرش أيها الذكي. ماذا ستفعل بشواربه السوداء المفتولة، والتي تغطي نصف وجهه السفلي. كتنورة سوداء.

 هل ستطلب منه إزالته؟ يجادل مع نفسه، ثم يجيب نفسه: نعم هذا سهل. سيزيلك من الوجود قبل أن تنهي كلامك لتعرض هذا الاقتراح الغبي عليه، ومن ثم سيمسح عشيرتك عن وجه الأرض أيضاً. أنس هذه الفكرة. ما الذي يحدث لي أين ذهب مخيلتي الخصبة؟ وما الذي أهذر به! دور عمود وكلب ورقاصة هل تمزح. أم إن أيامك أصبحت في الدنيا معدودة لتفكر هكذا!

 

أنت هالك لا محالة. اللعنة على هذا العمل كسر قلمه وضرب بقبضته على المنضدة. وأخذ يعصر جبهته ورأسه الذي يكاد ينفجر ويرتفع منه البخار من كثرة التفكير والقلق.

ماذا هناك بعد، هيا فكر. أين ذهبت قريحتك الأدبية… وفجأة لمع في ذهنه فكرة أخرى. توسع على إثرها ابتسامته التي غطت نصف وجهه.

وجدتها! وأنكب على الورقة وأخذ يكتب.

ثم قام واتصل بصديقه الوزير ليبشره بالفكرة التي توصل إليها لكتابة المسرحية والدور الذي سيلعبه القائد.

ألو سعادة الوزير؟

الوزير بغضب:

من المتصل في مثل هذه الساعة؟

أنا صديقك الكاتب المسرحي شاكر بير هل نسيتني؟

تغير نبرة صوت الوزير وخف سخطه، وقال:

 بشرني يا أخي هل كتبت شيئاً؟

أجل يا سعادة الوزير، لقد أوجدت دوراً يليق بمقام قائدنا وزعيمنا. الدور سهل وعظيم في الوقت نفسه، إليك كيف سنجعله محور كل شيء وهو ليس شيئاً، ولا يحتاج أن يقول أو يفعل شيئاً، سنؤدي كل شيء بدلاً عنه، وسنقوم بسرد وإلقاء كل شيء أثناء استغراقه في النوم. ليس عليه إلا أن يستيقظ من النوم في النهاية، ويختم بكلمتين أو ثلاث ليختتم المسرحية بها. كما إننا سنغير هيئته بقليل من المكياج واللمسات الجميلة، سيكون كل شيء حاضراً له. وسيكون دوره بسيطاً. كل ما عليه هو أن يستيقظ من النوم ويقبل الجواري اللاتي يرقدن إلى جانبه ثم يقول: أعدوا لي الحمام أيتها الشقيات.

 ها، أخبرني ما رأيك؟

 

برافو، أحسنت يا صديقي أنا متيقن بأن الدور سيرضي القائد بل سيكافئني مكافئة ضخمة، لن أنسى نصيبك منها. أجل، أجل، ها ها ها. كما إنه سيعجب كثيراً بفقرة النوم إلى جانب الجواري الفاتنات. لكن ألا تظن بأن ثلاث كلمات كثيرة يا صديقي؟ أخاف أن يستصعب عليه حفظها وتذكرها.

لا يمكن أن يقول أقل من ذلك.

لا بأس، لنتمنى أن يكون صاحياً في تلك اللحظات. وهناك شيء آخر يخفيني.

ما هو؟

أخاف أن يطمع القائد بممثلاتك ويسلبهن منك.

يا إلهي! هل يمكن أن يحدث هذا؟

كل شيء وارد، أرجوا أن أكون مخطئاً.

 

 

(3)

 

رفع الستار.

سرير واسع ووثير يتوسط المسرح مغطى بشراشف حريرية ذهبية اللون. يرتفع في الأركان الأربع من السرير أعمدة الذهبية معلق عليها حجاب أبيض وشفاف أشبه بغلاله ضبابية. ينام القائد بسكينة في أحضان ثلاثة جواري فاتنات ونصف عراة تغطيهن الملاءات الحريرية، وهن غارقات تحت شعرهن الطويلة. جواري شقراء وسمراء وصهباء السرير على وسعها تتلون بشعرهن.

بدء الراوي بالسرد والقائد نائم وسط الجواري.

القائد يرتاح بعد غزوته الطويلة، وبعد أن خضع له أعداءه في كل مكان، وهزيمته لهم خلال الشهور الماضية التي خلت. ها هو الآن يرتاح المحارب الصنديد، والفارس المقدام. في قصره وبين أحضان جواريه.

يرتاح بعد أن نشر العدل في مملكته.

يرتاح بعد أن جعل شعبه حراساً له.

يرتاح بعد أن غزى أخر غزواته الليلة الماضية. وتذوق عيّنة من كل نوع من أنواع السبايا اللواتي قطفهن من مروج وبساتين الممالك المختلفة المخضوعة له.

 

بدء القائد يتحرك في سريره وهو يستفيق من النوم. ثم تمطى بعد أن مد ذراعيه على طولهما وتثائب، ثم ألتفت حوله وتفقد الفتيات النائمات حوله. جلس مكانه وصاح بهن.

أعدموا لي الحمام، لا أعدلوا لي الحمام، لا أحمموا لي العدل، لا اعصروا لي الصابون.

أقبلن عليّ أيتها الشقيات. وقبلوني هيا.

وأخذ القائد يداعبهن وقد خرج عن النص والدور المرسوم له، والممثلات اللاتي لم يكن يعلمن بأنهن يمثلن مع القائد بلحمه شحمه، كن مرتعبات من حركات ومداعباته الجريئة.

صرخ القائد أسدلوا الستارة، لنعيد المشهد من جديد أيتها الشقيات. صرخات الممثلات كانت تدوي خلف الستارة. ضج الجمهور بالضحك.

وتصدر أصوات الصرخات خلف الستارة ثم أمر القائد بإزاحة الستارة.

قال القائد بعد أن أزيحت الستارة وهو يحملق في الممثلات بنظرة شريرة. وكانت الممثلات قد تكورن في زاوية من السرير يلفن أنفسهن بأغطية السرير وهن يرتجفن خائفات، من سلوك الممثل الذي لم يكن يعرفن حقيقته. لم يخبرهن الكاتب والمخرج بذلك لكيلا يرتعبن ويرتبكن في أداء أدوارهن بعد معرفتهن بوجود القائد في السرير معهن.

كانت نظرة شهوانية معلقة على وجه القائد، وهو يرمقهن بعد أن حاصرهن في جانب السرير وقال:

أعدوا لي الحمام أيتها الشقيات.

قام القائد من السرير لا يستر عريه شيء، وانكشف عورته، كان عارياً كما ولدته أمه. لف غطاء السرير الذهبي حوله بغضب ليدرك الموقف. وكشف عن نفسه للجمهور الذي كان يضحك منه قبل قليل. ثم تجمدوا كأن على رؤوسهم الطير بعد أن تعرفوا عليه.

أنا القائد. أحكم عليكم جميعاً بالإعدام لاطلاعكم على عورة قائدكم، وسر من أسرار الدولة!

ثم توجه بكلامه إلى الوزير والمخرج: لقد قمتما بأمر عظيم. ثم أشار بيده إلى الممثلات: أرسلوهن إلى القصر. سأقبلهن كهدية لقاء تمثيلي.

لكن يا سيدي، إنهن ممثلاتي المميزات، الوحيدات لا…

 تراجع (شاكر بير) وصمت بعد أن سلط عليه القائد نظراته النارية.

حسنا سيدي كما تأمرون، سنرسلهن إلى القصر.

 

 

***

 

1
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments