the short story project

search

سلمى صبحي

أجزاء

 

شلل نصفي أصابه جرّاء سقطات قوية، تجاهله لها في حينها بات سبباً قويّاً لمعاودة أوجاعه بشدة أكبر. تتساقط على إثرها الآن أجزاء نصفه السفلي قطعة، قطعة على التتابع بينما نصفه العلوي حافظ على صلابته التامة. قد يكفيه ذلك للعيش زمناً لا بأس به فهو لا زال قويّاً صامداً كشجرة الجنرال شيرمان أو هكذا كان يأمل.

تبعثرت أجزاءه تلك في غرفة خالية الوفاض إلا من أثاث يُذكر وبعض معلقات هنا وهناك. أحجية مجهولة الحل بالنسبة له حتى إشعار آخر. كم هو بائس الآن، وهو الذي كان لحوحاً، عنيداً لا يقبل الهزيمة أبداً. يمدد جسده في الليل مستسلماً لذئاب مؤرقة، شرسة، مرهقة، تحوم حوله متأهبة لافتراسه كما ترغمه على سماع عواءها المخيف في كل ليلة مقمرة. ما فائدة النوم إذاً؟ اليقظة أفضل، لكنه استيقظ هذه المرة بقلبين – التاريخ يعيد نفسه – تمرد القلب الغض وزحف إلى الأسفل كثيراً، بل كثيراً جداً حتى استقر عند نصفه المشلول. نبتت حوله عينان وأذنان وأنف جديد وو… إنه يرى الآن أكثر ويستنشق أكثر ويسمع استغاثة كبرى من مكان ما.

هل أصابه البله؟ فقد نسى ما كان يفعل في حالة كهذه، ماذا عن خبرة الأمس وربما الغد، هل طارت عصافيرها؟ ترتجف أوصاله رعباً لمجرد تخيل ذلك، لكنه يذكر مرتين أو ثلاثة أو… حسناً عدداً من المرات كان يتلصص، يتحسس، بل يتحرك فعلاً لفعل شيء ما وكان هذا يمنحه شعوراً أفضل.

الآن، لديه قلب آخر يسامره، يعاتبه عتاباً جميلاً، فيحن لهذا وذاك، للطفل الذي كان يؤرجحه، يلاعبه قافزاً به للأعلى، ويغني له حتى ينام، “يلا تنام يلا تنام لدبحلك طير الحمام”. قرر أن يستمر بالغناء بصوت عالٍ بل أعلى وأعلى ولن يصمت. أفاق صوت غناءه زوجته من نوم عميق وصاحت فزعة:

– ما بك يا رجل تصرخ هكذا؟! 

– أجزائي تلك، أين هي؟ أين هي؟

حين أشعلا النور لتفقدها، كانت قد اختفت من الغرفة.

1

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *