Walid Ahmed Ferchichi

لن أعيشكما معا

مساء الخير يا حبيبتي،

أذكرُ جيّدا ما قلته لك في آخر لقاء عاصف بيننا.

قلتُ، وأنت تحاولين إثنائي عن المغادرة: “لا يمكن لي أن أعيشكما معا. إمّا أن أحبّك وإمّا أن أنهي ما بدأته”. سيبدو لك الأمرُ الآن مشوّشا وعلى غاية من الفظاظة. ولكني لا أملك لنفسي شيئًا مثلما لا تملكين لنفسك شيئًا.

أعترف أنّي أخطأت في اختيار الكلمات التي ألقيتها في وجهك. تلك الكلمات التي ستلازمني إلى آخر المدى، إذ لا شيء فيها يثبتُ أنّي حيٌّ حقّا. أنا أعرف النّاس بي، واقتراف الأخطاء ليس بالأمر النادر في حياتي المضطربة، فلقد سبق لي أن ارتكبت أخطاءً بعدد الذين عرفت. وحدها الاشياء التي فرضت عليّ تبدو مذهلة يا حبيبتي وهو ما منعني ليلتها من أقول لك ما بقلبي حقيقةً.

وها هي الصدفة وحدها، أو ربّما تلك الرغبة الثاوية في أن أتخفف من أخطائي، حملتني إلى هذه الأوراق لأكتب إليك مجدّدا بعد أن أوهمتك أنّي أحتاجُ إلى الوحدة لأنهي ما بدأته.

الوحدة!  نعم، الوحدة!  هل كذبتُ حين أقنعتُني يومًا بأن أعمق ما في الوحدة هو ما تمنحك إيّاه من خيارات محدودة، فإمّا أن تخرج منها حكيمًا أو إمّا مجنونًا؟ يبدو أنّي كذبتُ… فأنا الآن على مشارف الجنون!

تلك الليلة، كنت أعرف أنّي لنْ أعود أدراجي أبدًا وأنا تحملني قدماي إلى ذلك المقهى الذي احتضن جنوننا يوما ما. كنت أعرف ذلك، لأنّ طريق خيالي التي سلكتها كانت قاتلة جدّا. كنتُ أربّي الوحش الذي التهمني في النهاية. أعترفُ لك الآن، متجرّدًا من أيّ نقد أخلاقي لما قلته لك، أني لم أنفق وقتي في اختيار الطريقة المثلى التي أنهي بها ما كان بيننا. فعلتُ، فقط ما ألهمنيه مزاجي المتقلّب: أن أذبحني أوّلاً ثمّ أمضي حاملاً رأسي بين يديّ.

يا للسخرية…غادرتُ بحثا عن الوحدة…فوجدت الجنون في انتظاري!

الآن، وروحي تعلو إلى أعلى قمم البكاء، وجدتني أدفع ثمن كل ما تدّخلت فيه اندفاعاتي وخيالي الميّت. كلّ ما راهنت عليه يومًا كان أخطاءً ساذجة ونجاحات ساذجة وتوجهات مشبوهة. لقد راهنت أيضا على أسوأ ما فيك وأفضل ما فيك على نحو لا يخلو من خبث الطوّية.

قلتُ، سيبدو لك الأمرُ الآن مشوّشا وعلى غاية من الفظاظة، فحياتي لم تكن بذلك الوضوح الذي اعتقدت فيه كالعمياء. نعم، حياتي كانت جداول لا تلتقي أبدًا ولا تصبّ في نهرٍ واحد. ولكن سأحاول أن أقول لك ما عجزت عن قوله دائمًا: في تلك الليلة، كنت أفكّر في أمر واحدٍ، أن أقتلك!

هل تصدّقينني حين أقولها لك، بكلّ هذا الوضوح، أنّي كنتُ سأقتلك!

لا أعرفُ كيف خرج الآخر من الرواية فتلبّسني شيطان بألف قرن. فعلها بشكلٍ ما عندما قرّرتُ قتله في الفصل العاشر منها ليفلت الزمام من يدي وأجبُن في آخر لحظة. كان خطأ آخر ينضاف إلى سجّل أخطائي. دوافع القتل لديه كانت متوفّرة لدّي بشكل لا يصدّق. وإذا كنتُ أنا جائعًا إلى حياةٍ أخرى، لا يسكنها الارتياب، حياة كاملة معك، فهو كان جائعًا إلى حياتهِ الخاصة، حياةٌ كاملة يتمّ محوك منها.

أجل. كنتُ سأقتله، ولكن لسبب ما جبنتُ. ووجدتني، في لحظة عامرة بالرعب، أتفادى قتله وأكتب في مسرح الجريمة التي وظبتها له جيّدًا: “حين قلتُ لها أحبّك، كنت أعرف يقينا أنّي أطعم ثعبانا. كنت أعرفُ يقينًا أن الكلمة، كلمة “أحبّك”، سرعان ما ستسقطُ في فم الثعبان، حين تخرج متعبة، مرهقة ومعطوبة حتّى قبل أن يرتدَّ لكَ نفسكَ المبهور. ولكنّي قلتُها بكلّ التعبِ الممكن. والتهمتها هي بكلّ الفحيح الممكنِ. حينها فهمتُ، لمَ يُغيّرِ الحبّ جلدهُ باستمرار قبل أن يغرز الرّحيل الفجائيّ سكينه في صدري”.

هل يبدو لك الأمرُ مرعبا؟ لقد استوطنني الآخر بشكل لا يصدّق حتى أنّي صرتُ أمضغ كلماته خوفا عليك منه…ومنّي.

حدث الأمر سريعا ليلة أن غرّد صوتك في هاتفي المحمول. قلتِ بصوت مبحوح: “يجب أن نلتقي الليلة. السابعة مساءً في مقهى المسرح. بايْ”. كانت مكالمتك مقتضبة ولم تترك لي أيّة فرصة للردّ. عليّ أن أذكّرك بأنه مضت ثلاثةُ أشهر على آخر لقاءٍ بيننا. ذلك اللقاء الذي تحوّل إلى ليلة طويلة من اللكمات والدموع، حينَ واجهتك باكتشافي لعلاقتك السرية بذلك الوغد الذي دخل حياتك فعصف بحياتي أنا. كنتما تلتقيان بانتظام وكنتُ أراقبكما بانتظام. كنت تحبّين ذلك الوحش الذي أفرزه خياله الميّت أكثر منّي. في تلك الليلة، التي مضت عليها أشهر، سألتك أن تنهي علاقتك به، لكنّك رفضت. رفضت أن تريحي قلبي. ضربتك. لا لم أضربك. كان هو من امتدّت يده إليك بتلك القسوة. كان يضربك وكنتُ أبكي.

وأنتِ، كنت تنشجين في صمت. لم تنبسي بحرفٍ واحدٍ وأنت تغادرين. لملمت ملابسكِ الممزّقة ورحلت دون أن يحرّك هو ساكنًا لكنّي غافلته ولحقت بك. ركبت التاكسي دون أن تلتفي وراءك. وعبثا حاولت أن أتصلَ بك. بحثت عنك كالمجنون في منزلك وفي العيادة التي تشتغلين بها وفي الأماكنِ التي كنت تتردّدين عليها. بعد أسبوع من البحث، أخبرتني إحدى صديقاتك أنك غادرت إلى فرنسا وأنا حزنت. أما هو فلقد سعد حقّا.

إنّ المجانين عادةً يفعلون ما لا يخطرُ ببالِ أحد. لقد حدث أن قرأتُ يومًا قصة رجلٍ ياباني أكل حبيبتهُ نيئةً بعد أن فشل في تصريف غيرته. أنا لا أعتبر ذلك جنونا لو طلبت رأيي. أمّا هو فكان يعتبره فتحا لمنطقة معتمة في العقل الإنساني. صحيح أنّ عيني لم تكونا مشدودتين إلى الخلف، وأني لم أشربَ “الساكي” العاطفي يومًا، إلاّ أني قرّرتُ أن أمنعه من إيذاءك. إلاّ أنّي فشلت. كان خطأ قاتلاً أنّي لم أستجمع شجاعتي وأقتله في الفصل العاشر.

كلّ ليلة، يا حبيبتي، ألتجأ إلى تلك الأقراص التي أبتلعها على الريق. يهرب النوم من عيني. وأجوع إلى حياة بلا أخطاء وبلا رواية بطلها يرفض أن يموت، فأتقيأ أمعائي. أخرج إلى الشارع، أركل القطط وألهث وراء رجال الأمن، وأسبّ بائعي الورد، وأتبوّل على جدار السفارة الفرنسية في شارع الحبيب بورقيبة. حين أتعب، أجده واقفا أمامي، يحملق في وجهي في برود قاتل، قبل أن يحملني إلى شقتي، ومنها إلى السرير، بعد أن ينزع ملابسي. وحين أفيقُ صباحًا أجد الرواية مفتوحة دائما على الفصل العاشر. 

أخفيت خبر مكالمتك لي عنه. هكذا اعتقدت. مضى يومان لم أره فيهما. خلتُ أنّه غادر عقلي. يومها شعرتُ بالخفّة، أنا الروائي الكاذب، الذي ادعى أمامك، وهو يمنحك أول قبلة، بأنه جائعٌ إلى تمرّد تاريخي على حياته السابقة. شعرت بالخفة، وقلبي يبارك موعدنا المسائي. كانت تلك فرصتي الوحيدة لأشطب أخطائي وأبدأ سيرة جديدة معك أنتِ. ومثل طفل يلهو بالمرايا، حدستُ أنّي سأراني فيك، أنقى من الغيمات التي يطاردها عبوسي. ولكن…ما إن خرجتُ إلى الشارع حتى وجدته يتبعني كالكلب. لقد اختفى ظلّي. أصبح هو ظلّي.

أخبرني ساخرًا أنه سيذبحك الليلة في الشارعِ الذّي عرفَ قصتنا يومًا. قال إنه يحتاجُ شهودًا ليكون انتقامه حجةّ عليّ. وحين أجبته مرعوبا أنها حجة نيئة. ضحك كالمجنون. نعم هي حجةٌ نيئة تماما كالجنينِ الذي نما في عقلي. دائمًا ما ناضلتُ من أجل تحرير نفسي من اسْتعمارِ ذلك البغيض لعقلي. لكن لسبب ما، لم أتوقّع أن يكون هو الورمُ الذي يزفني رويدا رويدًا نحو أبغضِ الأشياءِ لدي: القتل. لكلّ ذلك، حين توجهت لموعدنا المسائي، كانت فكرة واحدة تستعمرُ عقلي. فكرة بمذاق الدم.

لقد حرّضني على الدخول إلى حانة “الأندلس” وكأنّه يخشى من صحوي. كان عطشانَ جدّا. مرّت ثلاثة أشهرِ لم يضع فيها قطرة نبيذ واحدة في فمه. أنا منعته، حين كنت أمتلك الزمام، لأنّ رحيلك أثملني. أما أنا فكنت جائعا. وحدهُ الجوعُ إليك كانَ يجعلني أصرخُ في جوفِ الليل. نعم، كنتُ أصرخُ حينَ يشتدُّ جوعي إليك وإلى حياتنا التي أفسدها ذلك البغيض الذي تحبينه. ذلك البغيض الذي شرب سريعًا وكثيرًا كما تشربُ البغال. هل رأيتِ بغْلاً يشرب؟ بإمكانك أن تتخيّلي المشهد. كان يريد أن يفتح تلك المنطقة الرمادية عنوةً حتى لا أحتّج على ما سيفعله.

حين أراد النادلُ أن يستوقفهُ، صرخ فيه. قال لهُ أن يتركه وشأنه حتى لا يذبحه هو الآخر. رأيتُ في عينيه دموعًا صامتةً. أنا أيضا كنتُ أحتاجُ إلى البكاءِ ولكنه منعني. في تلك الليلة التي كان يمكن أن أتحوّل فيها إلى قاتلٍ، كان هناك عنكبوتٌ بألف وجه قد بنى بيته في محجريّ.

ألقى بنا الحرّاسُ خارجًا. فسبقني هو إلى المقهى وتبعته أنا كالكلب. لقد اختفى ظلّه. أصبحت أنا ظلّه.

حين جلستُ إلى ركننا المعتاد، حاولتُ جاهدًا أن أطرح سؤالاً مناسبًا لجواب متوقع ومقتضب منك. كنت ذابلة حزينة، وهو يخرج السكين وهو يضعها على الطاولة أمام ثلاثتنا.

جاء صوتك عميقا ومتقطعا:

– ماذا ستفعل بهذا السكين؟

أنت لم تزوري يوما عالم الما بيْنَ بَيْنَ. لو زرته يوما، لعرفت أنّي كنت أقود حربا أخيرة من أجلك، ولكنها حرب خاسرة بالنهاية. أقف وجها لوجه مع ذلك البغيض، الذي أنتجه خيالي وجنوني، واضعا أمامي مسودّة أخطائي…متسائلاً من سيحاسبني على ما فعلت؟

كنت أرى في عينيك الحزينتين ما يشي بأنّكَ تبحثين عنّي فيه. حوّلني هو إلى حقيبة يدك الصغيرة. وأنا كنتُ أكره ذلك. أعترفُ الآن أنّي لستُ نادمًا. نعم لستُ نادمًا على ما فعلت. كانت حربًا خاسرة منذ البداية. لن أتحججّ بأعطابي النفسيّة وقد وصلت إلى النهاية. لكن صدّقيني فقط حينَ أقولُ إنّي أجنُّ حينَ أراكِ تُدلّكين خيالي في ذلك البغيض… أجنُّ حقّا حين أراك تطعمين خيالي لإرضاء نهم رجلٍ آخَرَ آمنت به يومًا.

ولهذا منحتهُ ما أراد دائمًا وأنا أقولُ لك:

– لقد أعددت هذه السكين لي. فساعديني على تقطيع هذا الجنون الى مكعبات صغيرة يسهل وضعها في قوارير أرمي بها إلى البحر.

حين سألتني كيف، قلتُ لك:”لا يمكن لي أن أعيشكما معا. إمّا أن أُحبّك وإمّا أن أنهي ما بدأته”. وغادرتُ. لم ألتفت ورائي. كنت أعرف أن دموعك ستنجحُ في إرباكي وفي إنجاح خطته. كنتِ العقبة الأخيرة أمام إنهاء عمليّة تشكّل حياته خارج خيالي… حياته التي كانت ستبدأ حقّا بقتلكِ حين أتلاشى أنا داخله.

قلت لك إن الأمر سيبدو لك مشوّشا وعلى غاية من الفظاظة.

وأنا، لمّا ذهبت إلى وحدتي، كنت أعرف نهاية كلّ هذا. فسواء تقدّمت خفيفا بين الصفحات أو مزّقتها، سيظلُّ هو حيّا في مكان ما.

بإمكانك الآن أن تحدسي أيّ حلّ وجدته لإنهاء كلّ هذا العبثِ برأسي.

بإمكانك أن تحدسي، حين تصلك هذه الرسالة، ماذا فعلتُ بالضبط لأشطبه من حياتك ومن حياتي.

أحبّك.

وداعًا.

Liked the story? Comment below.

avatar