Write Stories

Muhammad Fahmi

الذراع الذهبي

 

“عاجل …عاجل…

استشهد خمسة وعشرون شخصاً وأصيب أكثر من مئة شخص جراء انفجار سيارة مفخخة في سوقٍ مزدحم وسط مدينة كركوك.”

 

ومض الشريط الأحمر للخبر على إحدى القنوات ثلاث مرات أسفل الشاشة ومرّت بسرعة!

 

نُسي الخبر في أذهان الناس بالسرعة التي مرت بها أسفل الشاشة، أصبح مثل تلك الأخبار عن التفجيرات وجرائم القتل والاختطاف شيئاً مألوفاً وعادياً بالنسبة للناس؛ بسبب كثرة حدوثها في الآونة الأخيرة، فقد تعود الناس عليها. يعلمون أنها أصبحت عادة يومية وأنهم لا حول لهم ولا قوة فيها سوى أن يكونوا وقوداً لإحدى تلك التفجيرات في يومٍ ما. بل يكاد الناس يعلمون مواعيدها والأيام التي ستحدث فيها بشكل أكثر كثافة. مثلاً: كخروج أحد السياسيين على الشاشة وهو يدلي بتصريحات نارية أو عند اقتراب الأعياد والمناسبات، أو حين يريد الشعب أن يثور ويطالب بحقوقه. أصبح الناس يترقبون اللحظة التي يصبحون هم أيضاً فيها خبراً عاجلاً في أحد الأيام عند وسائل الإعلام لبضع لحظات وتنسى!

 

لكن لم يتلاشَ في ذهن حميد الذي يعلم ما تعنيه تلك اللحظات المشؤومة، ويحس بكل نقطة وبكل حرف وبكل كلمة من تلك الأخبار المشؤومة، التي تومض للحظات وتمر ثم تنسى، ويعلم ما تخلف وراءها من ألم ومعاناة ودمار الأحلام وتفتيت العائلات، لم يمر الخبر به كما مر بعشرات من الناس الذين كانوا يشاهدونها في نفس الوقت، إلا من مرّ بمثل ما مرّ به.

 

 انقلبت حياته إلى كابوس بعد أن عاش لحظة رعب في أحد تلك التفجيرات التي غيرت حياته إلى الأبد، والكوابيس التي تطارده في نومه، كلما يغمض له جفن تهاجمه إحدى تلك الكوابيس التي يرى نفسه فيها وقد أحاط الظلام به، وجوه مشوهة، ونيران متأججة تحيط بأناس مجهولين، وجوه عليها ضحكات شريرة شيطانية، ويستيقظ من نومه مفزوعاً وهو يرتجف من الخوف ويتصبب جسده عرقاً غزيراً.

نظر إلى يده التي امتلأت بالندوب، ولمس وجه الذي كان يوماً سليماً وسيماً، وقد تشوه الآن جراء الحروق التي سببها الانفجار، وساقه اليسرى التي بترت، وتشوهات جسده التي تلازمه طوال حياته الباقية والتي حولت حياته إلى جحيم لا ينتهي.

 

يتذكر نظرة زوجته إليه بعد أن رأت ما حصل له وهي تزوره في المستشفى، وكيف أنها لم تعد لزيارته بعدها أبداً، كان يظن بأنها ستنتظره في البيت كما توهم وكما أوهمه المحيطون به، أخفوا عنه أمر زوجته ولم يخبروه بأنها تركته، لكيلا يضم فاجعة أخرى إلى فاجعته.

توالت عليه تلك الصور الأليمة وغاص في ذكرياته وحادثة التفجير التي غيرت كل شيء. يتذكر اليوم الذي خرج فيه من البيت وكان قد تأنق لأجل إصدار جواز السفر للسفر بعد العيد. السفر والذهاب في رحلة طالما تاق إلى خوضها، وحلم بها وادخر لأجلها المال ليجوب البلدان التي يقرأ عنها وعن تأريخها كفرنسا، ومصر، وإسبانيا ودول ومدن أخرى كثيرة.

كان الشارع مزدحماً بالمارة في ذلك اليوم، وحركة المرور شبه واقفة بسبب الزحام والإقبال الكبير على السوق قبل العيد، صياح الباعة يملأ الأجواء وهم يستعرضون بضائعهم، وروائح الأكلات السريعة وشاي أبو الهيل المنبعثة من العربات الواقفة على أطراف الشارع، ورائحة العطور الفواحة المنبعثة من محلات العطور المنتشرة على جانبي الشارع.

فجأة!، صوت دوي انفجارٍ مرعبٍ قذف بكل شيء في محيطه، وأغرق كل شيء في الظلام. وسكن كل شيء…

 

 

فتح عينيه بصعوبة، كل شيء مشوه، رمش بجفنيه بصعوبة، ألسنة اللهب ترتفع إلى السماء، وأعمدة من الدخان الأسود تتصاعد من السيارات والمحلات، تحول كل شيء إلى كتلة من اللهب والدخان تأكل السيارات وأجساد البشر المحيطين بها، المحلات تحترق بمن علقوا فيها.

تشوهت الصورة، وثقلت أجفانه وانغلقت مجدداً، فقد وعيه، استعاد وعيه مرة أخرى، فتح عينيه. لا يشعر بجسده ولا يستطيع أن يتحرك، سكون رهيب، أشلاء ممزقة متناثرة في كل مكان، اختفت الروائح الذكية وحلت محلها رائحة الدم والدخان، وابتلع السكون كل الضجيج، الدماء تسيل على الإسفلت الأسود مشكلاً بركاً صغيرة من الدم تختلط بزيوت السيارات السوداء المتسربة.

 

بدأ يشعر بجسده وقد انقض عليه الألم ينهشه بأسنانه ويمزقه، يرى الناس يركضون في كل مكان لكنهم في صمت مطبق رهيب، بعضهم يتفقد الجثث، وآخرون ملطخون بالدماء يتخبطون في المشي ويقعون، يقفون مجدداً وهم يحاولون الفرار من دون أن يهتدوا إلى أي طريق!

حاول رفع رأسه قليلاً لكن انبعث ألم رهيب اجتاح جسده أطاحه أرضاً، نظر مجدداً من مجال بصره إلى الجوار، الأشلاء المقطوعة والمحروقة في كل مكان، أيادٍ، أرجل، رؤوس… زجاج متناثر في كل مكان على الشارع، ومغروسة في الأجساد، طفلة مذعورة واقفة وملطخة بالدماء تلتفت حولها تبحث عن أحدهم في تلك البقعة السوداء من الزمن، الناس يقفزون ويركضون مذعورين لا يلتفتون إليها.

 

انطفأت الصورة مجدداً… يعود تدفق المشهد أمام عينيه مشوهاً، الدخان الأسود الفاحم يلف كل شيء ويغرقه في الظلام … انفلقت قطعة من الدخان وبدأت تطفو وتتجول فوق الجثث!

رمش بجفنيه بضع مرات يحاول أن يرى بوضوح ليتضح له المشهد، امرأة ملتفة بالسواد من رأسها إلى قدميها، امرأة بعباءتها السوداء خرجت من خلف الدخان الأسود … للسيارات المحترقة تطوف فوق الجثث كالموت.

 اقتربت المرأة الملتفة بالسواد من جثة امرأة أخرى بعد أن لمحتها!

إنها ميتة! تقوم بسحب ذراعها البيضاء السمينة والتي تكسوها الأساور الذهبية والخواتم الثمينة من أطراف أصابعها إلى ساعدها، تحاول المرأة إيقاظ الجثة! … لا…، لا لا يبدو على وجه المرأة مشاعر الحزن والأسى، لا يظهر على وجه المرأة سوى نظرات ترقب وخوف وهي تحاول نزع الأساور الذهبية والخواتم التي تزين أصابع يد الجثة، كانت متوترة التفتت حولها؛ لكن لم تستطع نزع الأساور بسهولة بسبب انتفاخ الذراع.

 

كانت تشد الذراع الموصول بالجسد بقطعة من اللحم والجلد بكل قوتها، وتحاول تمزيقها. “يا إلهي، ما الذي تفعله تلك المرأة” تساءل مرتاباً في نفسه.

 

حاول النهوض وإيقافها، لم يتمكن سوى من رفع يده، بدأ يسمع الأصوات، مدّ يده إليها ليوقفها، ورفع رأسه بصعوبة، وصرخ بها بصوت واهن: “توقفي….” نظرت المرأة إليه بارتياب في البداية، ثم ابتسمت ابتسامة شيطانية بعد أن ألقت نظرة على جسده الممزق الذي ليس بوسعه فعل شيء. فصلت المرأة الذراع الذهبية عن الجسد، ومزقت بقايا الجلد التي كانت تربطها بالكتف، وخبأتها تحت عباءتها السوداء، واختفت كما ظهرت خلف كتل الدخان السميكة.

 

 

 

***

Liked the story? Comment below.

avatar